كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الحياة الاقتصادية في مصر منذ عهد محمد علي:
فلما تولى محمد علي باشا حكم مصر وقضى على نفوذ المماليك عمد إلى أملاكهم فاستخلصها لنفسه، ثم ألغى نظام الالتزام الذي كان معمولًا به في عهد الدولة العثمانية، وفيه كان يُعَجِّل الملتزم من الملاك للحكومة الضريبة السنوية فيدفعها مقدمًا على أن يجبيها هو بعد ذلك من الفلاحين، فنزع محمد علي الأراضي التي كانت تحت أيدي الملتزمين واعتبرها مِلْكًا للحكومة ووزع منفعتها على الفلاحين كأطيان مُؤَجَّرة فصارت علاقة الفلاحين بالحكومة مباشرة، وصارت الحكومة مالكة لجميع الأراضي. وكانت الحكومة تُعْطِي الفلاحين ما يلزم الزراعة من آلات الري والحرث والمواشي، فإذا جاء الحصاد اشترت الحكومة من الفلاح محصوله بالثمن الذي تُحَدِّده طبقًا لنظام الاحتكار.
وقد قرَّر محمد علي نوعًا خاصًّا من الملكية الفردية للأراضي بأن أقطع كثيرًا من أعيان الدولة ورجال الجهادية وبعض كبار الأعيان مساحات شاسعة من الأراضي البور، وقد أعفاها من الضرائب ليستحثهم على إصلاحها، فيزداد العمران وتتسع الرقعة الزراعية، ومنع أصحابها من أن يُؤَجِّروها ليشتغلوا فيها بأنفسهم (للاستزادة راجع: (عصر محمد علي) عبد الرحمن الرافعي).
وقد ظهرت طبقة ملاك الأراضي الزراعية في أواخر القرن التاسع عشر حين أخذت الملكية الزراعية شكلها النهائي في عام 1896، بعد صدور قوانين تُقِرُّ الملكية الزراعية، خصوصًا بعد أن تم توزيع مساحات من الأراضي واسعة على أفراد وأقرباء أسرة محمد علي الحاكمة وحاشيتها، وصار لهؤلاء الملاك حق التصرف واستغلال الأراضي بالبيع والرهن والتوريث. فكانوا هم الركيزة التي قامت عليها طبقة كبار الملاك، والتي امتد نشاطها بعد ذلك إلى مجال التجارة والصناعة والاستثمار بشكل عام.
وقد كانت معظم أموال كبار الملاك في صورة مُدَّخَرات في البنوك الأجنبية، مما ساهم في تنمية المجتمعات الأجنبية خارج البلاد أكثر مما ساهم في تنمية المجتمع المصري.
اقتحم بعض الرأسماليين المصريين مجال الصناعة والتجارة والتي ظل الأجانب يتحكمون فيها لسنوات، حيث كانت غالبية المشروعات الصناعية والتجارية مِلْكًا لرؤوس الأموال الأجنبية، وقد تمكن الرأسماليون المصريون من مزاحمة الأجانب في ذلك من بعد الحرب العالمية الأولى.
ويُعَدُّ عام 1920 عامًا حاسمًا بالنسبة للرأسمالية المصرية بإنشاء (بنك مصر) كأول محاولة ناجحة لرأس مال وطني.
كان نصيب رؤوس الأموال الأجنبية في الشركات السابق تكوينها قبل عام 1933 أكثر من 60 مليون جنيه في مقابل نحو 6 ملايين جنيه لرؤوس الأموال المصرية.
في عام 1929 وضعت الحكومة نظام التعريفات لحماية الصناعات الأهلية، فأخذ نصيب العناصر الوطنية في النشاط الصناعي والتجاري والمالي يتزايد، خاصة بعد إلغاء معاهدة 1936 واتفاقية إلغاء الامتيازات الأجنبية في عام 1937 حيث ارتفعت نسبة رؤوس الأموال المصرية من عام 1934 إلى عام 1939 إلى ما يعادل 47% من مجموع رؤوس الأموال، ثم قفزت في الفترة من 1940 إلى 1945 إلى 66%، ثم في الفترة من 1946 إلى 1948 إلى 84%؛ أي: تراجع رأس المال الأجنبي إلى 16% بين عامي 1946 و1948. (راجع في ذلك: الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر، د. عبد العظيم رمضان، ص 23 - 25).
وقد ظهرت دعوة إلى الإصلاح الزراعي في فبراير 1944 نادى بها عضو الحزب السعدي (محمد خطاب) الذي قدَّم مشروعًا إلى مجلس الشيوخ لحل مسألة تَرَكُّز الملكيات الزراعية الكبيرة عن طريق تحديد الملكية الزراعية، وقد أقرته لجنة الشؤون الاجتماعية بالمجلس وحددت نصاب تحديد الملكية بمائة فدان. وبعدها بوقت قصير عرض (مريت غالي) أيضًا في كتابه (الإصلاح الزراعي) الدعوة إلى وضع حد لزيادة الملكية وتحديدها.
وقد تكرَّرت تلك الدعوة من وقت لآخر لكنها كانت خالية من الجرأة في التناول وتخطي العقبات التي يضعها كبار الملاك الزراعيين. وفي عام 1949 لاقت الدعوة إلى تحديد الملكية الزراعية وزيادة الضرائب على الأملاك الكبيرة شبه اتفاق، وذلك لحَمْل كبار الملاك الزراعيين على توظيف أموالهم في الصناعة. (راجع المصدر السابق، ص 37).
وإجمالًا فقد كانت أبرز سمات ومعالم (بالأحرى معايب) الحياة الليبرالية الاقتصادية في فترة مصر الملكية:
- إقرار الربا، والتوسع في إنشاء البنوك الربوية. والغريب استسلام كثير من المسلمين لهذا الأمر لا عن كُرْه منهم، بل راح بعضهم يبحث عن تبريرات وفتاوى شرعية يُضْفِي بها على هذا الاقتصاد الربوي اليهودي العالمي صبغة إسلامية.
- إتاحة الفرص أمام الأسر الكبيرة وأصحاب الأموال والنفوذ لاحتكار المغانم والمكاسب، فالاستيراد والتصدير بأيديهم والمناقصات الكبيرة ترسو عليهم والمشروعات المربحة من حظهم. وقد جعلت هذه الفرص هؤلاء الأثرياء والأغنياء يزدادون غِنًى على حساب العامة والضعفاء والفقراء الذين يزدادون ضعفًا وفقرًا، فلا مجال ولا وزن ولا ذِكْر لتاجر صغير أو حرفي فقير أو فلاح أو عامل.
- اتساع الفوارق بين طبقات المجتمع في التملك وفي وسائل المعيشة، فريق في الترف والذهب والنعيم، وهم قِلَّة، وفريق في قِلَّة من العيش وفي الفقر والحرمان، ليس لهم من ثروات البلاد ما يُذْكَر، وهم الكثرة.
- بروز الملكيات الزراعية الكبيرة فيملك الواحد من الكبراء آلافًا أو عشرات الآلاف من الأفدنة، بل منهم من يمتلك عِزَبًا وقرًى بأسرها. وهؤلاء الإقطاعيون يتوسعون في أملاكهم يومًا بعد يوم بشراء أراضٍ جديدة مملوكة أو مستصلحة من صغار المزارعين والفلاحين.
- عدم القدرة على تطوير اقتصاد الأمة للتحول إلى مجتمع صناعي متقدم، على أهمية وتقدم الصناعات المختلفة في دول العالم الكبرى. ورغم ظهور بعض الصناعات الجديدة في مصر ونجاح بعضها بجهود وطنية كشركة مصر للغزل والنسيج وأشباهها، لكنها كانت محدودة لا تستطيع أن تُوسِّع نطاقها إلى الدرجة المطلوبة من التقدم والازدهار، فبقيت البلاد كما كانت عليه لآلاف السنين محور نشاطها الرئيسي هو الزراعة لا غير لتبقى البلاد عالة على دول الغرب في الصناعات الثقيلة وفي الأجهزة الكهربائية والآلات الدقيقة وصناعة السيارات وصناعة الأسلحة وغير ذلك من المنتجات الصناعية الحيوية للدولة.
- كما كانت البلاد تعاني من عدم تزايد مساحة الرقعة الزراعية ومن عدم تنمية الإنتاج الحيواني والداجني مقارنةً بالتزايد المستمر في عدد السكان. هذا مع عدم توافر ما ينبغي استخدامه من الوسائل والآلات الزراعية الحديثة في الزراعة. وهو ما جعل المجتمع يبقى في مجمله متسمًا بالتخلف وضعف الإنتاج إلى جانب ما يعانيه من سوء في التوزيع.
الحياة الاجتماعية في مصر في تلك الفترة:
- كانت الملكية الزراعية في مصر قبل عام 1952 هي المحور الأساسي الذي ارتكزت عليه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، حيث تصدرت طبقة ملاك الأراضي الزراعية العمل السياسي في تلك الفترة.
- والثابت من الدراسات أن الملكية الزراعية تركزت في يد فئة قليلة من المصريين والأجانب مما كان له آثاره الاجتماعية السيئة والتي ازدادت بمرور الوقت.
ومن أسباب هذا التدهور الاجتماعي:
1- سوء توزيع الدخل بين السكان، فقد تمكَّن كبار الملاك من التحكم في الأجور والتي كانت لا تكاد تتعدى حد الكفاف بحكم ملكيتهم لوسائل الإنتاج والسلطة التي يتمتعون بها. وقد قَبِلَت الغالبية من عمال الزراعة أو المستأجرين كافة الشروط المفروضة عليهم؛ لأنه لم تكن لهم مِهَن بديلة. ولقد كان من المستحيل أن ينتقل هؤلاء إلى مصاف كبار الملاك.
وقد كانت أوضاع صغار المستأجرين والعمال الاجتماعية في تدهور بسبب تفشي الجهل، والتعرض للإصابة بالأمراض الوبائية والطفيلية.
2- استثمار كبار الملاك أموالهم بإيداعها في البنوك التجارية مما زاد تملكهم للأراضي والأموال بحكم وفرة المُدَّخَرات لديهم، ففي عام 1894 كانت نسبة صغار الملاك 77.6%، ثم ارتفعت إلى 90.7% في عام 1914، ثم بلغت في عام 1952 إلى 94.3%. على حين كانت نسبة كبار الملاك ممن يملكون أكثر من خمسين فدانًا إلى مجموع الملاك 1.7% عام 1894 يملكون 42.5% من مساحة الأراضي، ثم تضاءلت النسبة في عدد الملاك إلى 0.4% بلغت نسبة ملكياتهم 34.2%. وفي عام 1947 كان هناك 0.2% من الملاك يملكون أكثر من 29% من مساحة الأراضي الزراعية بينما 99.8% من الملاك يمتلكون 71%. (راجع (الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر)، و(اقتصاديات مصر) تأليف الاقتصادي د. جمال الدين محمد سعيد والذي ألفه في عام 1950 - القاهرة -، ط. الثانية 1964).
3- كانت معظم أموال كبار الملاك في صورة مُدَّخَرات في البنوك الأجنبية، مما يساهم في تنمية المجتمعات في الخارج أكثر مما يساهم في تنمية المجتمع المصري، وهو ما كان يتمشى مع سياسة الاحتلال الأجنبي.
4- تدهور الأحوال الاجتماعية في الريف على نحو خطير حيث كان غذاء ما يزيد على العشرة ملايين من السكان خبز الذرة الذي يتحايل الفلاح على بلعه بقليل من الملح والجبن أو مع شيء من الفجل أو الكُرَّات، مما يُعَرِّضه لسوء التغذية والتعرض لكثير من الأمراض. إلى جانب انتشار السُّل الرئوي بسبب سوء المسكن.
5- ضعف الإنتاج في قطاعات الصناعة وفي المواصلات والنقل، وانخفاض الأجور التي تقارب الأجور المنخفضة في الزراعة.
6- سوء الحالة الصحية والتغذية، فأكثر من نصف السكان مصاب بالإنكلستوما، وعشرة ملايين إصابة بالبلهارسيا، مما تسبب في ارتفاع نسبة الوَفَيَات إلى 28% في عام 1943. بينما بلغت نسبة من يعانون من سوء التغذية نحو 80% من السكان. وفي مجال التعليم بلغت نسبة الأمية 76% من السكان في عام 1944. (راجع: اقتصاديات مصر، ص 280 - 283).
الحياة الاجتماعية والتعليمية والثقافية:
كانت البلاد تموج في أعقاب الحرب العالمية الثانية بدعوات إصلاحية في المجال الاجتماعي من الأحزاب السياسية ومن بعض الكُتَّاب الإصلاحيين، لكنها كانت تستند إلى المنهج الإصلاحي المعروف حيث المحافظة على العلاقات الاجتماعية القائمة، أو تعديلها في نفس الإطار القائم، أي أنها كانت خالية من أي نظرة تتناول الأزمة من جذورها، ولا غرابة في ذلك، فقد كان كبار الملاك وأصحاب رؤوس الأموال يسيطرون على الأحزاب الموجودة بنسب متفاوتة. وقد كانت هناك أحزاب تصبغ بعض برامجها بصبغة إصلاحية مع إهمال التفاصيل الدقيقة لهذا الإصلاح. ففي عام 1938 جاء برنامج حزب (الفلاح الاشتراكي) الذي أسسه أحمد كامل قطب ليكون أول حزب سياسي مصري يُمَثِّل الفلاحين ويتبنى قضاياهم خاليًا من الإشارة إلى معالجة سوء توزيع الملكية الزراعية، مع كونه حزبًا يهدف إلى تحديد العلاقات الإنتاجية بين الفلاحين والملاك بما يتناسب مع مصلحة الفلاح ورفع مستواه، ولا يتعارض مع مصلحة المالك. (راجع دراسة حزب الفلاح الاشتراكي 1938 - 1952)، للمؤرخ رؤوف عباس حامد).
وقد كان كبار الملاك الزراعيين يديرون أراضيهم بطريق غير مباشر عن طريق وسطاء، إذ كانوا يفضلون البقاء في المدن الكبيرة، مما أدى إلى قيام طبقة الوسطاء باستغلال كبار الملاك والمستأجرين على حد سواء. وكما عَادَت طبقة كبار الملاك بطبيعتها أي دعوة إلى الإصلاح الزراعي فقد تخوفوا من تعليم أبناء الفلاحين لئلا يتحولوا إلى أعمال أخرى بخلاف فلاحة الأرض والعمل لديهم. لذا فكانت طبقة كبار الملاك الزراعيين تنحاز إلى فكرة جعل التعليم قاصرًا على أبناء الموسرين، وفي حالة بقاء أماكن خالية فيمكن ملؤها بأبناء الفقراء؛ لذا لم يكن عجيبًا أن تظل الأمية منتشرة.
وقد أوضح إحصاء عام 1947 أن 22.8% هي نسبة المتعلمين من مجموع السكان، وأن أقل من 2% من مجموع السكان من حَمَلَة الشهادات على اختلاف درجاتها.
وفي القاهرة العاصمة كانت الأحياء الوطنية (الشعبية) تَعِجُّ بالفقراء من أواخر القرن التاسع عشر، وكانت تشهد هجرة من الأرياف بسبب تداعي الأوضاع الاقتصادية هناك.
فكانت القاهرة منذ أواخر القرن التاسع عشر مدينتين:
- مدينة أوروبية يسكنها أبناء الجاليات الأجنبية وتتمتع بكل مظاهر المَدَنِية وأشكال الترف.
- مدينة يسكنها الوطنيون (الأهالي) تعاني من مظاهر العَوَز والفقر وتدهور الأحوال الصحية.
وعن التكوين الثقافي في تلك الفترة يقول دكتور حلمي أحمد شلبي: "فمن المعروف عمومًا أن جيل القرن التاسع عشر من كبار الملاك كان محدود الثقافة، ولم ينل بعضهم حظه من التعليم، ونال آخرون حظهم من التعليم الأَوَّلِي في مكاتب تحفيظ القرآن الكريم وفي الأزهر، أو مدارس الإرساليات التبشيرية. على حين اتصل الجيل الثاني وهو من أبناء الجيل السابق بمصادر الثقافة الأوروبية خصوصًا الإنجليزية والفرنسية، وأخذوا ينهلون من معاهدها العلمية بعد ما أَعَدَّت الدولة لهم البعثات العلمية. وعن طريق ذهاب البعض منهم لتلقي تعليمه على نفقته الخاصة، أو الدراسة في المدارس الأجنبية في القاهرة والإسكندرية وعواصم المديريات" (راجع: فصول من تاريخ الإصلاح الاجتماعي في مصر، دكتور حلمي أحمد شلبي - سلسلة تاريخ المصريين (16) - ط. الهيئة العامة للكتاب - ط. 1988م).
وعن التوجه الليبرالي لهذا الجيل يقول د. حلمي أحمد شلبي: "ولما كان هذا التحول في ثقافة هذا الجيل من أبناء كبار الملاك قد ترك أثره واضحًا فقد كان مبدأ الحرية الفردية -الدعامة الأولى للثقافة الليبرالية في أوروبا- هو الأساس الذي تشكلت عليه ثقافة هؤلاء، وقام عليه تكوينهم الفكري، وتكونت لديهم رُؤًى اجتماعية تقوم على عدة دعامات، هي:
أولًا: سيادة مبدأ الحرية: حرية العمل وحرية الفكر وحرية التملك. ويصبح للفرد أهمية ينبغي أن تكون سلطة الحكومة تعبيرًا عنها، أي تقوم سياسة الحكومة على رعاية مصالح أصحاب الأملاك. ومن غير شك ساهم ذلك في تكريس الإطار الاجتماعي القائم من ناحية الإبقاء على العلاقات الاجتماعية دون ثمة تغيير، بل أدى إلى ازدياد الهوة اتساعًا بينهم وبين الفئات الأخرى.
ثانيًا: معارضة أي لون من ألوان التجديد لأن لهم مصالح في الحفاظ على الشكل القائم من العلاقات، ولأن أي تجديد سوف يحمل معه أخطارًا قد لا يُحْمَد عقباها، ومحاولة فرض هذه النظرة على بقية عناصر المجتمع، والإيحاء إليها أن هذه تقاليد ينبغي الحفاظ عليها وحمايتها.
ثالثًا: التدرج في إدخال أي إصلاحات لا تتعارض مع الملكية الفردية بل تؤدي إلى تعميقها. فالملكية بالنسبة لهم امتياز يؤدي إلى أفضل النتائج الاقتصادية، وبالتالي فإن الدولة تُمَثِّل الحارس الذي يحمي نشاط الأفراد، ولا تتدخل إلا في إطار ما تُمْلِيه النظرة الإصلاحية لهؤلاء الأفراد. وهي كما قلنا نظرة تكره الطفرة وتميل إلى التدرج في حالة ما يدعو الأمر إلى الإصلاح لمواجهة المشكلة الاجتماعية) (المصدر السابق، ص 15 - 17).
وأضاف د. حلمي: "أمَّا في مجال الملكية وتَرَكُّزها، وعلاقة ذلك بالمشكلة الاجتماعية فقد كانت نظرتهم تكمن في المحافظة على شكل العلاقات الاجتماعية القائم على إحياء التضامن الاجتماعي من زاوية البِر والإحسان إلى الفقراء)، فـ(الفردية والحرية المطلقة التي تُمَثِّل أساس ثقافتهم قد أبعدتهم عن رؤية الآثار الاجتماعية السلبية لتركيز الملكية في يد فئة قليلة والركون إلى فكرة البِر والإحسان) (المصدر السابق، 17 - 18 بتصرف).
وقد تمثَّلت الليبرالية (الفوضى) الثقافية في ظهور مؤلفات صادمة للأمة في دينها وثوابتها في تلك الفترة، والتي أثارت البلبلة والاضطراب لدى كثيرين، من أشهرها:
- مؤلفات قاسم أمين (وُلِد في عام 1865 وتُوُفِّي عام 1908) في الدعوة إلى سفور المرأة وتحررها.
- كتابات وآراء دكتور طه حسين (وُلِد عام 1889 وتُوُفِّي في عام 1973) كما في كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي صدر عام 1926، والذي تسبب في منعه من التدريس في الجامعة في عام 1931.
وقد وقف الليبراليون وفي مقدمتهم حزب الأحرار الدستوريين برجاله وصحيفته إلى جانب طه حسين وحريته في التفكير والبحث وإبداء الرأي. وكذلك كتاب طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر) الذي صدر في عام 1937م، وغير ذلك من مؤلفاته.
- كتاب (الإسلام وأصول الحكم) الذي كتبه الشيخ علي عبد الرازق (وُلِد عام 1888 وتُوُفِّي عام 1966) وصدر عام 1925م، ونادى فيه بفصل الدين عن الدولة، وأن الإسلام دين لا دولة، وأن نظام الخلافة لا صلة له بالإسلام. وقد عَبَّر رموز التيار الليبرالي عن الترحيب بالكتاب والدفاع عن كاتبه باعتبار القضية قضية تَمَسُّ حرية التفكير والتعبير. كما وقف حزب الأحرار الدستوريين أيضًا موقف الدفاع عن الكتاب مناديًا بحرية الرأي.
للاستزادة في ذلك راجع:
- (عصر محمد علي): عبد الرحمن الرافعي.
- (عصر إسماعيل) جزآن: عبد الرحمن الرافعي.
- (فصول من تاريخ حركة الإصلاح الاجتماعي في مصر): د. حلمي أحمد شلبي.
- (الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر): د. عبد العظيم رمضان.
- (اقتصاديات مصر): د. جمال الدين محمد سعيد.
- (تهافت الليبرالية): د. أحمد فريد.
- (الإسلام والليبرالية مواجهة صريحة): د. علاء بكر.