الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 02 نوفمبر 2026 - 22 جمادى الأولى 1448هـ

هل النبي -صلى الله عليه وسلم- يُرَى يقظة بعد وفاته؟ (5)

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

دعاوى غلاة الصوفية في الرؤية يقظة والتلقي المباشر:

أما غلاة الصوفية وادعاؤهم رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- يقظة، فإنما يروجون بذلك باطلهم وبدعهم على مريديهم؛ إذ يدعون أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يخرج من قبره، ويلتقي بأحدهم، ويتلقون عنه مباشرة. وهذا عندهم من أوثق مصادر العلوم والمعارف!

ومن أمثلة ذلك في كتبهم:

قول أبي العباس المرسي: "طريقنا هذه هداية، وقد يجذب الله -تعالى- العبد إليه فلا يجعل عليه منة لأستاذ، وقد يجمع شمله برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيكون آخذًا عنه، وكفى بهذا منة" (طبقات الشعراني 2/13).

وذكر الشعراني أيضًا عن سيده علي الخواص أنه قال: "ولا يَكمُل العبد في مقام العرفان حتى يصير يجتمع برسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقظة ومشافهة" (لواقح الأنوار القدسية، ص 11).

وذكر أيضًا عن أبي المواهب الشاذلي أنه كان كثير الرؤيا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان يقول: "قلت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن الناس يكذبونني في صحة رؤيتي لك، فقال -صلى الله عليه وسلم-: وعزة الله وعظمته، من لم يؤمن بها أو كذبك فيها لا يموت إلا يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا" (الطبقات الكبرى 2/69).

ويزعمون أن رؤيته -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة يراها الولي اليوم كما يراها الصحابة -رضي الله عنهم-، وأنها أفضل من دخول الجنة!

قال صالح الجعفري، شيخ التيجانية: "وأما الذي هو أفضل وأعز من دخول الجنة فهو رؤية سيد الوجود -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة، فيراه الولي اليوم كما يراه الصحابة -رضي الله عنهم-، فهي أفضل من الجنة" (الدرة الخريدة: 1/47).

وقال عن شيخه أحمد التجاني، مؤسس الطريقة: "أخبرني سيد الوجود يقظة لا منامًا، قال لي: أنت من الآمنين، ومن رآك من الآمنين إن مات على الإيمان" (جواهر المعاني: 1/129).

وفي الكتاب نفسه زعموا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال لأحد مريدي ومحبي أحمد التجاني: "لولا محبتك في التجاني ما رأيتني قط".

ولو ذهبنا نستقصي كلام هؤلاء الكذابين المفترين لطال بنا المقام، والعاقل اللبيب يكفيه دليل واحد على بطلان ما يزعمه هؤلاء الذين تجاوزوا حدودهم، وانتقلوا من عبد لربه إلى معبود، ومن معظم لربه إلى معظم، وابتدعوا لمريديهم طريقة وصول مخالفة لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فانظر إلى ادِّعاء أحمد بن إدريس أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال له في بعض أحزابه التي تلاها عليه: "فإنه لم يسمع بمثلهما في أحزاب الأوائل من المشايخ الذين سبقوا، وقد تعجب الأنبياء عند سماعها مثل الخليل وغيره -صلوات الله وسلامه عليهم-، وقد عظم سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرهما تعظيمًا عظيمًا" (المنتقى النفيس: ص 10).

وادعى التجاني أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال في شأن الصلاة المخترعة المسماة بـ(الفاتح لما أغلق): "إنها أمر إلهي لا مدخل فيه للعقول، فلو قدرت مئة ألف أمة، في كل أمة مئة ألف قبيلة، في كل قبيلة مئة ألف رجل، يذكر كل واحد منهم في كل يوم ألف صلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير صلاة الفاتح، ما لحقوا كلهم ثواب مرة واحدة من صلاة الفاتح" (جواهر المعاني: 1/117).

وهكذا يوجد في كتب بعض الطرق، كالشاذلية، والرفاعية، والإدريسية، والختمية، وغيرها، ما فيه كذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وافتراء عليه. وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (متفق عليه).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.