كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -عز وجل-: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ . وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ . فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ . وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ . قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (العنكبوت: 16- 35).
الفائدة الثانية والعشرون: قوله -تعالى-: (فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ): بيَّن الله -عز وجل- في سورة الأنبياء كيفية إنجاء الله إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- مِن النار الذي أُجمِل في سورة العنكبوت، وأنه كان بكلامه -سبحانه وتعالى- للنار بلا واسطةٍ؛ تكريمًا لإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لما كمَّل التوحيد والإخلاص، وكمَّل التوكل على الله وحده والتضحية بنفسه لله -سبحانه وتعالى-؛ قال -تعالى-: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى? إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) (الأنبياء: 68-70).
وفي البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "(حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ -عليه السلام- حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ قَالُوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)"، فدلَّت الآية مع الحديث أن الفرج جاء في اللحظة الأخيرة بعد أن اكتمل البلاء المراد من الله -عز وجل-؛ ليستخرج من إبراهيم ومن محمد -صلى الله عليهما وسلم- أنواع العبودية في أحلك الظروف.
فالفرج قد يتأخر، لكنه يأتي حين يشاء الله -عز وجل-؛ جاء الفرج وإبراهيم في الهواء، وقد قذفوه بالمنجنيق في النار العظيمة التي أوقدوها، وكانت من إبراهيم العبودية الكاملة للتوكل على الله والتضرع له بأنه كافٍ عبده، والتوسل إليه بذلك، حسبنا الله: كافينا الله.
وشهود اسمه الوكيل، والتعبُّد له في هذا الموطن بهذا الاسم، وهو نعم الوكيل؛ نعم من تُفوَّض الأمور إليه، ونعم من يُتوكَّل عليه، فكانت الإجابة من الله معجزةً باهرةً وإكرامًا عظيمًا لإبراهيم -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ أنجاه الله بكلامه الكوني للنار: (كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)؛ فلم يرسل الله ملكًا يأخذه بعيدًا عن النار وعن قومه المجرمين، ولم يرسل ريحًا أو مطرًا يطفئ النار، وإنما أبقاها الله نارًا؛ لأنه قال لها: (يَا نَارُ)، فلم تنطفئ ولم تتحول إلى شيء آخر، بل ظلت نارًا، وهي في الوقت نفسه بردٌ وسلامٌ على إبراهيم فقط؛ ولذا بقي الكفار ينظرون إليها مشتعلةً حارةً فظيعةَ الحرارة، لا يستطيعون الاقتراب منها، ويرون إبراهيم فيها في أهنأ عيش وأفضل حال.
بقيت النار نارًا على وثاق إبراهيم فأحرقته، وأطلقت إبراهيم من هذا الوثاق الظالم الجائر الذي بُني على الجبروت والطغيان، فبقي إبراهيم بخير حال فيها حتى لا يتضرر ببردها عليه؛ إذ كانت عليه بردًا؛ قال الله: (كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ).
حتى قال له أبوه -كما في بعض الأخبار- وهو يرى الآية أمام عينيه: "نعم الرب ربك يا إبراهيم"، ومع ذلك لم يؤمن بربِّ إبراهيم، ولا بنبوة إبراهيم ورسالته، ولم يؤمن قومه إلا لوط -عليه الصلاة والسلام-، وهو ابن أخي إبراهيم، وسارة -رضي الله عنها-، يذكرون أنها كانت ابنة عمه وتزوجها بعد ذلك.
فسبحان الله مقلِّب القلوب الذي قلَّب قلوب الكافرين على الكفر ولو رأوا كل آية؛ قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ . وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) (يونس: 96-97)،
وقال -سبحانه وتعالى-: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (الأنعام: 111).
فاللهم لك الحمد على نعمة الإيمان والإسلام، أنت قلَّبت قلوبنا على هذا الدين، وحبَّبت الإيمان إلينا، وكرَّهت إلينا الكفر والفسوق والعصيان، فاجعلنا اللهم من الراشدين.
اللهم يا مقلب القلوب، ثبِّت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك، نسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت، لا نملك لأنفسنا ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ولا نملك هدايةً ولا ضلالًا إلا برحمتك ومنَّتك وكرمك.
فاللهم لك الحمد كما تقول وخيرًا مما نقول، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
وفي الحديث القدسي قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ) (رواه مسلم).
فاللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، ولا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.
نسألك اللهم أن تنصرنا على القوم الكافرين، وأن تفرِّج كربات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، نسأل الله -عز وجل- نصره المبين، وهو المستعان وعليه التُّكلان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.