الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 15 يونيو 2026 - 29 ذو الحجة 1447هـ

ضوابط اقتناء الكلاب في الشرع وفي القانون (1)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فيمكن تقسيم أنواع الكلاب التي يخالطها الناس خلال حياتهم اليومية إلى ثلاثة أنواع:

الأول: كلاب يقوم بعض المواطنين بتربيتها في بيوتهم، وغالبًا ما تحظى بدرجة من الرعاية من تطعيم وتنظيف، ومراعاة لكل ما تأكل وتشرب لتفادي ما قد تسببه من أضرار، لكنها تعد أقل الأنواع عددًا إذ تعد بعشرات الآلاف.

الثاني: كلاب يقتنيها بعض المواطنين لأغراض الحماية كالتي يقتنيها الفلاحون لحراسة مواشيهم وحيواناتهم، أو بعض سكان الريف والمناطق العشوائية والنائية للحراسة أيضًا.

الثالث: الكلاب الضالة المنتشرة في الشوارع، وهي أكثر الأنواع عددًا؛ إذ إنها تعد بالملايين، وهي سبب معظم الحوادث والأمراض والأخطار التي تنتقل إلى الناس من الكلاب.

وترجع خطورة الكلاب عامةً -وكلاب الشوارع الضالة منها-: إلى أنها تعد -مع ازدحام الشوارع بها- مصدرًا خطيرًا لكثير من الأمراض البكتيرية والطفيليات (الديدان المعوية) التي تنتقل لمن يخالطها ويتعامل معها؛ خاصةً تلك التي تعيش وتتغذى على القمامة والفضلات في الشوارع والميادين وتحت الكباري والأراضي الفضاء والنائية التي تستخدم كمقالب للقمامة، حيث تكثر فيها الأكوام من بقايا الغذاء والمخلَّفَات، وحيث يكثر فيها تواجد أفواج من الذباب وتجمعات الحشرات التي تكثر في الصيف مع ارتفاع الحرارة وزيادة نسبة الرطوبة، حيث تعيش تلك الحشرات على القاذورات والفضلات وتنقل هذه البكتيريا المسببة للأمراض والفيروسات، والتي تتطاير في الهواء مع الأتربة فتساهم في نقل العديد من الأمراض لمن يتعرض لها ممن يسير في الميادين والشوارع والأزقة، وكذلك المتعاملين معها مباشرةً في مكان واحد خاصةً من جامعي القمامة والمخلفات، أو يقومون بفرز هذه القمامة والمخلفات باستمرار وجمع ما يريدونه منها، أو تنتقل لغيرهم عن طريق الهواء والأتربة إلى أجهزة الناس التنفسية فتصيبها بالأمراض المختلفة، وفي مقدمتها: أمراض الحساسية والتهابات الرئة.

كما أنها تحط على مصادر أغذيتهم وأشربتهم المكشوفة في ظل غياب الوعي الصحي لأكثر أفراد المجتمع، وافتقاد الطرق السليمة والفعالة لجمع القمامة والمخلفات في المناطق السكنية، والتعامل معها وسرعة التخلص الآمن منها لمنع أخطارها وأضرارها على الصحة العامة والبيئة؛ كما أنَّ كلاب الشوارع عرضة لتواجد الحشرات التي تسبب الأمراض في فروها كالقمل والقراد، وغيرها، والتي تصيبها بالأمراض الجلدية والضعف والهزال؛ ولهذا فإنه لا يفضل اقتناء الحيوانات الأليفة ذات الفرو كالقطط والكلاب في المنازل؛ لما تسببه من أمراض حساسية والتهابات الصدر والجلد، وإلا فإنها تحتاج إلى قص فروها باستمرار والعناية بنظافتها التامة من خلال غسلها جيدًا وبانتظام.

وتبلغ خطورة هذه الكلاب بنقلها داء الكَلَب القاتل من الأنواع المصابة به، حيث يتعرض سنويًّا مئات الآلاف من الكبار والصغار للعقر (للعض) من الكلاب العقورة خاصةً في شهور الصيف، فينذر هذا العض بالإصابة بمرض الكَلَب الذي يؤدي -عند عدم المسارعة في علاجه والتعامل معه- إلى الوفاة، إلى جانب التسبب في درجات مختلفة من الجروح ما بين الخطيرة والخفيفة.

ونتيجةً لانتشار تلك الكلاب بين المواطنين في كل مكان، فهي أشبه بقنبلة موقوتة قابلة لنقل الأمراض والأخطار لمن يختلط بها أو يتعامل معها؛ خاصةً من الأطفال والصغار، إلى جانب ما تسببه من إزعاج يومي بنباحها العالي وعوائها المتكرر خاصةً في ساعات الليل وأوقات الصباح في القرى والمدن التي يكثر تواجدها بها على السواء.

الموت يكمن في عضة كلب:

تصاب بعض الكلاب بفيروس السعار أو داء الكَلَب الذي يؤثر على خلايا الجهاز العصبي (المخ) للكلب المصاب، فتختل تصرفاته وإدراكه ويصير عدوانيًّا، فيقوم بعقر (عض) كل من يقابله رغم عدم الاعتداء عليه أو التعرض له. ومن مظاهر هذا المرض خروج سائل اللعاب بصفة متواصلة من فم الكلب، وتنتابه حالة من الخوف الشديد (الرهاب) من صوت الماء (الهيدروفوبيا) ومن الضوء، نتيجة الإصابة بتقلصات شديدة في منطقة البلعوم والمريء والأحبال الصوتية عند رؤية الماء، وظهور أعراض المرض يعد دليلاً واضحًا على وصول تأثير فيروس المرض إلى المخ وتدمير خلاياه، خاصةً الخلايا المسؤولة عن البلع.

وتنتهي حالة الكلب المصاب بالموت خلال عشرة أيام من ظهور المرض عليه، وكذلك يصاب بنفس الأعراض ونفس النهاية كل من يتعرض للعقر من الكلب المصاب من البشر، حيث ينتقل فيروس المرض عن طريق لعاب الكلب من خلال ما يسببه من جروح في جسم من يعضه، مما يتسبب في وفاة الآلاف من المواطنين سنويًّا، ما لم يتم إنقاذ من عضه الكلب المسعور بعلاجه سريعًا من خلال تنظيف الجرح الناتج عن العض جيدًا وإعطاء المصل الواقي من المرض قبل أن ينتشر في البدن.

ونظرًا لأنَّ هذا الأمر يثير القلق وينذر بعواقب وخيمة على من يتعرض للعقر من كلاب الشوارع فإنَّ الدولة تنفق الملايين من الجنيهات لتوفير اللقاحات والأمصال الواقية من المرض على مستوى الجمهورية عبر حوالي 300 مركز منتشرة في ربوع الدولة متخصصة لذلك الغرض، والتي تستقبل يوميًّا مئات الحالات التي تتعرض للعض من كلاب الشوارع بصفة يومية.

الإجراءات الواجب اتباعها عند التعرض لعضة كلب:

أولاً: غسل الجروح والخدوش مكان العض جيدًا بالماء الجاري لفترة مع استخدام الصابون وتطهير الجرح.

ثانيًا: التوجه إلى أقرب مستشفى أو مركز لعلاج داء الكَلَب للحصول على الجرعة الأولى من المصل الواقي في خلال 24- 48 ساعة على الأكثر، ويتم العلاج من خلال أخذ خمس جرعات تعطى للشخص المصاب من خلال جدول معين على مدار 4 أسابيع يجب عليه الالتزام به.

ثالثًا: تتم خلال فترة العلاج مراقبة الحيوان الذي قام بعض المصاب، فإن لم تظهر عليه أعراض المرض خلال يومين وظل على قيد الحياة لأسبوعين؛ فهذا يعني أنه غير مصاب بداء الكَلَب، وبالتالي يمكن للشخص المصاب في هذه الحالة التوقف عن استكمال العلاج، وإن كان من الأفضل استكمال باقي جرعات العلاج الخمس احتياطًا.

وتوفر مديريات الشؤون الصحية في كل محافظات الجمهورية المصل الواقي في مستشفياتها ومراكزها مجانًا لعلاج داء الكَلَب، كما توفره وزارة الصحة في الصيدليات تحت إشراف طبي وبأسعار مدعمة لمن يحتاجه من المواطنين.

أمَّا إن ظهرت على المصاب أعراض المرض التي تنتاب الكلب المصاب فهو بذلك يصبح مصدر عدوى للآخرين؛ لذا يجب عزله في مستشفى الحميات مع الإسراع بإعطاء المخالطين لهذا المصاب المصل واللقاح الواقيين من المرض.

ونظرًا لأنَّ لقاح داء الكَلَب ليست له أية مضاعفات ويمكن أن يأخذه أي شخص بلا أي ضرر عليه، فإنه يمكن للمخالطين للحيوانات ذوات الأنياب أو المتعاملين مع الكلاب بأنواعها من الأطباء البيطريين والعاملين بالمستشفيات والعيادات البيطرية والعاملين بالمزارع وفرق مطاردة الكلاب الضالة، أخذ هذا اللقاح الواقي حمايةً لهم.

حكم اقتناء الكلاب في الشرع:

لا يجوز شرعًا اقتناء الكلب داخل البيوت والممتلكات إلا كلب الصيد وكلب الماشية أو الزرع، لما ثبت عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ) (رواه مسلم)، وفي رواية أخرى عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: (قِيرَاطَانِ)، وهي رواية متفق عليها أيضًا.

قال الشيخ العثيمين في شرحه لرياض الصالحين للنووي: "وأمَّا اتخاذ الكلب وكون الإنسان يقتنيه فإنَّ هذا حرام، بل هو من كبائر الذنوب -والعياذ بالله-؛ لأنَّ الذي يقتني الكلب إلا ما استُثني ينقص من أجره كل يوم قيراطان"، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنِ اتَّبَعَ الْجَنَازَةَ حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ) قيل: وما القيراطان؟ قال: (مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ) (رواه البخاري ومسلم).

فالذي يتخذ الكلب بدون ما استُثني ينقص كل يوم من أجره مثل جبلي أحد، قيراط، بل قيراطان، وهذا يدل على أنَّ اتخاذ الكلاب من كبائر الذنوب إلا ما استُثني كالصيد والحرث والماشية. فالصيد: هو الكلب المعلَّم الذي يصيد به الإنسان، فهذا يحل صيده إذا كان معلمًا، بحيث يسترسل إذا أُرسل، ويقف إذا زُجر، وإذا أمسك لم يأكل، وأن يسمي الله عند إرساله، فهذا صيده حلال، والإنسان يقتنيه لحاجة ومصلحة. كذلك الحرث: يتخذ الإنسان كلبًا يحمي زرعه لئلا تأكله الماشية فتفسده. الثالث: الماشية، يتخذ الإنسان كلبًا لماشيته سواء كانت من الإبل أو الغنم أو البقر؛ لأنه يحميها من الذئاب ويحميها من اللصوص؛ لأنه إذا رأى من يستنكره نبح فانتبه صاحبه. وكذلك لو فُرض أنَّ الإنسان يحتاج إلى حفظ مال، كإنسان في مكان ناءٍ وليس حوله رجال أمن فيتخذ الكلب فهذا لا بأس به؛ لأنَّ هذا حماية مال كالحرث، وما عدا ذلك فإنه حرام".

وأضاف أيضًا: "إنَّ اتخاذ الكلب بلا سبب شرعي كبيرة من كبائر الذنوب، ثم إنَّ نجاسة الكلب أخبث النجاسات، أخبث نجاسة في الحيوان نجاسة الكلب؛ لأنه إذا ولغ في الإناء لا يطهر الإناء إلا إذا غُسل سبع مرات إحداها بالتراب، غيره من النجاسات إذا زالت عين النجاسة طهر المحل، أمَّا هو فلا بد من غسله سبع مرات إحداها بالتراب، والله الموفق".

حكم بيع الكلاب في الشرع:

لا يجوز شرعًا بيع الكلاب. ومذهب جمهور العلماء أيضًا عدم جواز بيع الكلب المعلَّم؛ سواء كان مما يجوز اقتناؤه ككلب الصيد أو مما لا يجوز اقتناؤه. وفي الحديث المرفوع عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ثمن الكلب والسنور (رواه مسلم). والمراد بالسنور: الهرة.

وفي حديث أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ" (متفق عليه). و"مهر البغي": ما تتعاطاه الزانية على زناها فهو كسب خبيث. و"حلوان الكاهن": ما يتعاطاه الكاهن على كهانته، وهو من أكل المال بالباطل.

وقد ذهب الحنفية إلى جواز بيع كلب الصيد. واحتج الحنفية على جواز بيع كلب الصيد بحديث جابر -رضي الله عنه-: "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، إِلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

"فإذا امتنع الناس عن منح الكلاب إلا بالبيع وكان محتاجًا إليه لصيد أو زرع أو ماشية مما أبيح اقتناؤه لسببه جاز له أن يشتريه، مع أنه يحرم على البائع أخذ ثمنه، فيكون العقد لأحد الطرفين جائزًا وللآخر محرمًا" (راجع في ذلك: تمام المنة في فقه الكتاب وصحيح السنة، كتاب البيوع).

قال الشيخ السيد سابق -رحمه الله-: "وإنما لا يجوز بيع الكلب لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وهذا في غير الكلب المعلم وما يجوز اقتناؤه ككلب الحراسة وككلب الزرع، فقد قال أبو حنيفة -رحمه الله- بجواز بيعه، وقال عطاء والنخعي -رحمهما الله-: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد" (فقه السنة).

واحتج الحنفية على ذلك بحديث جابر -رضي الله عنه-: "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، إِلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقد اختلف في تصحيحه، فقال النسائي: "ليس بصحيح"، وقال في موضع آخر: "منكر". "وقال الحافظ: ورجال إسناده ثقات" (فقه السنة).

وعلل الحنفية جواز ثمن بيع كلب الصيد ونحوه بأنه في مقابل تعليم وتدريب الكلب على الصيد أو الحراسة أو الحماية لا كثمن للكلب ذاته إذ لا قيمة له.

ويجوز قتل الكلب العقور مما يجوز اقتناؤه أو لا، ولا تجب قيمته على من يقتله سواء كان كلبًا معلمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أو لا، وبهذا قال جماهير العلماء؛ قال ابن قدامة -رحمه الله-: "وعلى قياس الكلب العقور كل ما آذى الناس وضرهم في أنفسهم وأموالهم يباح قتله" (المغني).

وفي ضمان قتل الكلب قال الشوكاني: "فمن قال بتحريم بيعه قال بعدم الوجوب. ومن قال بجوازه قال بالوجوب. ومن فصَّل في البيع فصَّل في لزوم القيمة. وروي عن مالك -رحمه الله- أنه لا يجوز بيعه وتجب القيمة، وروي عنه أنَّ بيعه مكروه فقط. وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجوز بيعه ويضمن متلفه" (ينظر: فقه السنة).

حكم سؤر الكلب ولعابه:

السؤر: فضلة الشرب، أي: ما يتبقى في الإناء بعد الشرب منه.

وسؤر الكلب نجس عند جمهور العلماء، وكذلك لعاب الكلب نجس، والدليل على تلك النجاسة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) (رواه مسلم)، وفي بعض الروايات: (إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ)، وفي بعضها: (السَّابِعَةُ). وروى نحوه البخاري وابن ماجه والنسائي. ومعنى الولوغ: أن يدخل الكلب لسانه في الإناء ويحركه، سواء شرب منه أو لم يشرب.

فقوله -صلى الله عليه وسلم-: (طُهُورُ) دليل على تنجس الإناء بولوغ الكلب فيه، وكذلك الأمر بغسل الإناء، وكذلك الأمر بإراقة الماء.

وتطهير الإناء بعد ولوغ الكلب فيه يكون بإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب، وأن يغسله سبعًا على أن يجعل في أول غسلة بالتراب. وورود الحديث في ولوغ الكلب فقط لا يدل على نجاسة بقية أجزاء الكلب خلافًا للجمهور. قال ابن تيمية -رحمه الله-: "والأظهر أنَّ شعر الكلب طاهر؛ لأنه لم يثبت فيه دليل شرعي" (مختصر الفتاوى المصرية).

مغبة استصحاب الكلاب ومنع الكلاب دخول الملائكة:

عن أبي طلحة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ) (متفق عليه). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: وعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جبريل -عليه السلام- أن يأتيه، فراث (أي: أبطأ) عليه حتى اشتد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فخرج فلقيه جبريل -عليه السلام- فشكا إليه، فقال: (إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ) (رواه البخاري).

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: واعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جبريل -عليه السلام- في ساعة أن يأتيه، فجاءت تلك الساعة ولم يأته! قالت: وكان بيده عصا فطرحها من يده وهو يقول: (مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَا رُسُلُهُ)، ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: (مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ؟) فقلت: والله ما دريت به، فأمر به فأُخرج، فجاءه جبريل -عليه السلام-. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَعَدْتَنِي فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأْتِنِي)، فقال: (مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ، إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ) (رواه مسلم).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ) (رواه مسلم). والملائكة المرادة بالمنع من دخول البيت أو المرافقة هي ملائكة الرحمة.

قال العثيمين -رحمه الله- في شرح رياض الصالحين: "أمَّا استصحاب الكلب فقد سبق أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب إلا الكلاب المستثناة، مثل: كلب الحرث والماشية والصيد؛ فهذه لا بأس بها".

فائدة:

ورد الأمر النبوي بقتل الكلاب أول الأمر، فلما خُشي من إبادة أمة الكلاب أو التعسف في قتلها ورد النهي عن قتل الكلاب إلا الكلب الأسود؛ إمَّا لكون الشيطان كان يتمثل به على الحقيقة، وإمَّا لكون الكلب الأسود هو شيطان الكلاب، فالشيطان من شَطَن أي: بَعُد، كما أنَّ هناك شياطين من الجن وشياطين من الإنس، فهناك شياطين من الكلاب فيها الميل إلى الإضرار والإيذاء هي الكلاب السود. ثم استقر الأمر على منع قتل الكلاب عامةً إلا ما يؤذي الناس ويضرهم كالكلب العقور. والله تعالى أعلم.

وفي الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ) (متفق عليه).

- فواسق: لما تسببه من الإيذاء للناس، مما يتطلب قتلها حفظًا لحياة الناس، وسميت فواسق؛ لخروجها عما عليه سائر الحيوانات بما فيها من الضرر الذي لا يمكن الاحتراز منه.

- الحية: هي الثعبان. تخرج هي وكذلك الفأرة من جحرها في الخفاء لتفسد على الناس معايشهم.

- الكلب العقور: هو الذي يهجم على الناس ويؤذيهم، ويشمل كل ما يعقر كالأسد والذئب وغيره.

- الغراب الأبقع: أي: فيه سواد وبياض، وهو الذي يأكل الجيف، ويبدأ بالتعدي على الناس. أمَّا الغراب الأسود فلا يهاجم أحدًا.

- الحدأة: تشبه الغراب، وهي طائر يسرق حيث يخطف صغار الفراخ وما يشبهها.

- يُقتلن في الحل والحرم: بمعنى يُقتلن أينما وُجدوا فلا حرمة لها بحال.

فائدة أخرى:

جاء في تفسير ابن كثير -رحمه الله- لسورة الفاتحة في تفسيره للاستعاذة: "قال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان إذا فعل فعل الشياطين"، "فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح، ولهذا يسمون كل من تمرد من جني أو إنسي وحيوان شيطانًا".

وروي "أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ركب برذونًا (البرذون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال)، فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده صحيح" (تفسير ابن كثير بتصرفٍ).

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ)، فقلت: يا رسول الله ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر؟ فقال: (الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ) (رواه مسلم).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.