كتبه/ أحمد يحيى وزير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فحتى يستشعر القارئ الكريم مدى خطورة هذا الفكر أحببتُ أن أبدأ ببيان مدى حرص الغرب على إحياء هذا الفكر.
لقد بدأت قضية الفكر الصوفي الأشعري منذ زمن تحتل مكان الصدارة في الإستراتيجيات العالمية، ومؤسسات البحث العلمي، ومراكز الاستشراق والدراسات المتعلقة بالحركات الإسلامية، وأصبحت القضية جزءًا من إستراتيجية متكاملة تستهدف إحداث تغيير جذري في حركة الدِّين تقوم على إضفاء المشروعية على هذا الفكر وإحلاله بديلا للمنهج السلفي؛ لذا كان أهم أسباب حرص الغرب على إحياء هذا الفكر: استسلامهم العجيب للغزو الخارجي لبلاد المسلمين؛ فهم في باب القضاء والقدر "جبريَّة"؛ فعندهم أن الإنسان مُسَيَّر، مع نفي تأثير إرادة العبد أو نفيها بالكلية مما يؤدي إلى الاستسلام والرضا والقبول بالواقع، وتعطيل الجهاد وعدم مقاومة المحتل، فالاحتلال والاستعمار عندهم إرادة واختيار من الله.
فلقد عاصَرَ أبو حامد الغزالي الحُرُوْبَ الصَّليبِيةَ ولم يُشِر إليها، ولا أظهر اهتمَامًا بها، عندما احتل الصليبيون بيت المقدس في شعبان سنة 492 هـ، وقتلوا في وسطه أزيدَ من ستين ألف قتيلٍ من المسلمين، ولقد عاش الغزاليُّ بعد ذلك ثلاثةَ عشر عامًا، إذ مات سنة 505 هـ، فما استنهض الغزالي همةَ مسلمٍ ليذود عن مقدسات المسلمين ودمائهم؛ إذ كان عاكفًا على كتبهِ يقرِّرُ فيها: أن الجمادات تخاطب الأولياءَ، ويتحدثُ عن الصحو والمحو، دون أن يُقَاتِلَ، أو يدعو حتى غيرهُ إلى قتالٍ، ولو أنه أهاب بسكان العراق وفارس، وبلاد الترك لنصرة إخوانهم في الشام لنفر مئاتُ الآلاف منهم للجهاد في سبيلِ الله. وما غفلةُ الغزالي عن ذلك إلا لأنه كان في ذلك الحين قد انقلب صوفيًّا.
قال الدكتور زكي المبارك: "أتدري لماذا ذكرتُ لك هذه الكلمةَ عن الحروبِ الصليبيةِ؟ لتعرف أنه بينما بطرسُ الناسكُ يقضي ليله ونهاره في إعداد الخطب وتحبير الرسائل لحثِّ أهل أوروبا على امتلاك أقطار المسلمين، كان الغزاليُّ "حجةُ الإسلامِ" غارقًا في خلوته، منكبًا على أوراده، لا يعرفُ ما يجبُ عليه من الدعوة والجهاد" (الأخلاق عند الغزالي، ص 25).
ومن النتائج لهذا الانتشار الصوفي: النتيجة الظاهرة الصارخة؛ ألا وهي: الاستسلام العجيب للغزو التتري الذي كان يبيد المدن والقرى ويقتل الملايين، بينما كان المسلمون يهرعون إلى المشايخ والقبور، ويلجؤون إلى الأوراد والطلاسم لاستجلاب النصر، ويستسلمون للذبح استسلام النعاج!
لقد كان ظهور الأحمدية الصوفية في ذلك الوقت، وإضعافهم الوازع الديني، وتخديرهم الناس، وحملهم على الخمول والكسل والتسليم، أكبر أسباب ظهور التتار.
فهذا شاعر صوفي يقول:
يا خائفين من التتر
عوذوا بقبر أبي عمر
ينجيكم من الضرر!
لقد عرف التتر فضل الصوفية في انتصاراتهم التدميرية وقدَّروها كثيرًا، وأعطوها مركزًا مرموقًا، جعلها تهيمن على كلِّ البلاد التي اجتاحها التتر، وقد جلَّى هذه الحقيقة أحد مشايخ الرفاعية، وهو صالح بن عبد الله البطائحي، عندما قال في صراحة تامة لابن تيمية في مناظرته له في مصر سنة 705 هـ: "نَحْنُ مَا يَنْفَقُ حَالُنَا إِلَّا عِنْدَ التَّتَرِ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّرْعِ فَلَا!".
وكان هذا التقدير الكبير للصوفية من قِبَل التتر الذين دمروا البلاد وأهلكوا العباد سببًا آخر لإقبال الناس من أهل البلاد التي اجتاحها التتر -ومن التتر أيضًا- إقبالًا كاملًا على الصوفية، وتقديس مشايخها إلى درجة التأليه، حتى عم البلاء إلا مَن رحم ربك.
وكان السبب الرئيس في عدم دفاعهم عن ديارهم مقام التوكل، أو التسليم، أو عدم الاعتراض، الذي جرتهم إليه الصوفية.
ويعلل المتصوفة سكوتهم ورضاهم بما ينزل بقومهم من المصائب، بأن هذه المصائب عقابٌ من الله للمذنبين من خلقه، فإذا كان اللهُ قد سلَّط على قومٍ ظالمًا؛ فليس لأحدٍ أن يقاومَ إرادةَ الله أو أن يتأففَ منها.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.