الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 03 أغسطس 2026 - 20 صفر 1448هـ

تعليق على التسريب المنسوب للشيخ الحويني

كتبه/ محمود أمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد نشر البعض عِدَّة تسجيلات للشيخ الحويني -رحمه الله- يظهر فيها مخالفته للحزب وينتقد عليه بعض الأمور، وقد فَرِح به خصوم الدعوة السلفية وحزب النور وطاروا به كل مطار.

ولنا على هذه التسريبات عِدَّة ملاحظات:

أولًا: نحب أن نذكِّر الجميع بالعلاقة التي كانت بين الشيخ الحويني -رحمه الله- وبين مشايخ الدعوة السلفية؛ إذ كانت العلاقة تقوم على التقدير والثناء المتبادل، وإن لم تتطابق المواقف الدعوية تمامًا في جميع المواقف إلَّا أنَّه في المجمل كان الدفاع عن منهج السلف ونشر السُّنَّة ومحاربة البِدَع هدفًا مشتركًا. وقد كتب الشيخ عبد المنعم الشحات مقالًا بعنوان: (الشيخ الحويني في ألمانيا.. مريض بالبدن طبيب للقلب)، يدافع فيه عنه ضد هجوم خالد منتصر عليه، ولمَّا توفي -رحمه الله- كتب مقالًا بعنوان: (رحيل الشيخ الحويني بين حزن دعاة السُّنَّة وشماتة الطاعنين فيها) جدَّد فيه الدفاع عنه ضد كارهي السُّنَّة والعلمانيين وبعض أهل البدع الذين شمتوا في موته -رحمه الله-.

ثانيًا: الشيخ الحويني -رحمه الله- مرَّ في حياته بعدة مراحل، ففي وقت كان يرفض العمل السياسي، ثمَّ بعد الثورة أيَّد المشاركة السياسية، وظهر ذلك في موافقته على المشاركة في استفتاء 19 مارس والذي أيَّدته جميع الاتجاهات الإسلامية، بل وشارك في مؤتمرات عقدتها ونظمتها الدعوة السلفية في بعض المحافظات، وامتدح فيها ما حققه الإسلاميون في استفتاء 19 مارس من الحصول على غالبية الأصوات المؤيدة للإعلان الدستوري والذي كان غرض الإسلاميين من الموافقة عليه الحفاظ على المادة الثانية من الدستور والتي تنص على أنَّ الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

ثمَّ أبدى تخوفًا من نتائج الثورة، ثمَّ أيَّد فكرة تأسيس السلفيين لحزب، ورأى أنَّ الأولى ألَّا يدخل العلماء وطلبة العلم في العمل الحزبي، ثمَّ أيَّد حازم صلاح أبو إسماعيل في انتخابات الرئاسة، ثمَّ اختلف موقفه بعد ذلك، ثمَّ اختار السكوت ولم يعلِّق على جميع الأحداث التي وقعت حتى وفاته، ويبدو أنَّه تأثَّر كثيرًا بالمجموعة التي كانت معه فترة تلقيه العلاج في الخارج إلى وفاته -رحمه الله-.

والخلاصة: أنَّ المواقف المختلفة للشيخ يظهر منها أنَّه لا يرفض العمل السياسي وإنشاء الأحزاب بإطلاق، وإنَّما باعتبار تقدير المصالح والمفاسد في كل مرحلة، وحين غلب على ظنه وجود مصلحة أيَّد المشاركة السياسية، وحين قدَّر وجود مفاسد -في رأيه- انتقد المشاركة، وهذا الموقف -اعتبار المصلحة والمفسدة في المشاركة السياسية– من حيث الأصل هو نفس موقف الدعوة السلفية، إلَّا أنَّ الاختلاف وقع بعد ذلك في التطبيق وفي تقدير اعتبار المصلحة والمفسدة، وهذا الأصل مهم الإقرار به ابتداءً قبل الانتقال إلى مناقشة التطبيق وتقدير موازنات المصالح والمفاسد في الواقع.

ثالثًا: الشيخ الحويني -رحمه الله- حتى في هذا التسريب يتكلم بلغة الناصح وليس بلغة السب والشتم، وليت المخالفين اكتفوا بتقديم النصيحة دون خوض في الأعراض واتهام للنيَّات واستعمال السباب والألفاظ القبيحة التي لا تليق بمسلم صاحب علم ودعوة بحال، وندعو الجميع إلى التزام الرفق وعرض الحجة بعلم وعدل وإنصاف.

رابعًا: ذكر الشيخ الحويني -رحمه الله- في التسريب الموجود أنَّ حزب النور تنازل عن بعض الثوابت وضرب مثالًا لذلك: قيام الحزب بتقديم العزاء في وفاة البابا شنودة الثالث، وهذا مثال في غير موضعه؛ لأنَّ مسألة تعزية الكفار فيها خلاف بين أهل العلم فليست من الثوابت، وهو نفسه أشار إلى ذكر الخلاف الذي ذكره ابن قدامة -رحمه الله- فيها. وذكر أنَّ السلفيين كانوا يختارون القول الأشد فيها (أي: بالتحريم)، وهذا التعميم لا يصح فربما كان هذا اختياره هو وليس كل المشايخ، والمسألة مبناها على النظر في الراجح من الأدلة، وليس إلى اختيار الأشد أو الأخف، والراجح من الأدلة هو جواز تعزية الكفار قياسًا على جواز عيادتهم؛ هذا مع أنَّ المسائل الاجتهادية لا يُلْزِم الدعوة السلفية ولا حزب النور آراء بعض الدعاة أو اختياراتهم، خاصة تلك التي تحتاج إلى معرفة بواقع لم يطَّلعوا عليه أو على كثير منه، ممَّا كان الصحيح فيه أنَّه يلزم من لم يطَّلع على الواقع أن يسأل من اطَّلع لا العكس، وعلى الأقل فلا يلزم المتابعة.

وهذه المسألة (تعزية الكفار) اختلف فيها العلماء إلى عدة أقوال: حيث أطلق الشافعية والحنفية القول بالجواز، وهي رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله- كما نُقِل جوازه عن مالك -رحمه الله- إن كان للكافر جوار، ومنهم من أجاز مع الكراهة، ومنهم من أجازه للمصلحة كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ومنهم من قال بالتحريم وهو القول المشهور في المذهب عند الحنابلة؛ ولهذا فإنَّ قول الأكثر على جواز تعزية الكافر بالكافر، وبعضهم يقيد إن كان له جوار، وبعضهم يقيد بالمصلحة الراجحة كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما سبق، وذلك قياسًا على جواز عيادة الكافر للمصلحة الراجحة. (وسأذكر نصوص أقوال المذاهب الأربعة ومصادرها في هذه المسألة في آخر المقال لمن أراد الاطلاع بالتفصيل على أقوالهم).

خامسًا: من خلال النظر في أقوال أهل العلم في المسألة (وهو موجود بالتفصيل في آخر المقال لمن أراد) يظهر أنَّ حزب النور لم يتنازل عن الثوابت؛ لأنَّ مسألة تقديم العزاء للكافر ليست من مسائل الموالاة، بل هي مسألة خلافية والراجح جوازها وأنَّها لا تدخل في الموالاة وهو قول أكثر أهل العلم، وأمَّا تقييد الجواز بأن يكون له جوار كما ذكر الشيخ الحويني -رحمه الله- في التسريب المنسوب إليه فهذا في قول المالكية، أمَّا قول الشافعية والحنفية ورواية عن أحمد -رحمه الله- فهو بالإطلاق من غير ذكر لهذا القيد، ثمَّ لا دليل على هذا القيد، ولا فرق من جهة المعنى على الصحيح. وأمَّا تعليل عدم الجواز بأنَّه هذا رأس الكنيسة فلا يختلف من جهة الدليل، إذ المصلحة موجودة هنا أيضًا.

وقد أجاب الشيخ ياسر برهامي عن هذا وقتها في سؤال وُجِّه له، وسأنقل نص السؤال وجوابه لتكتمل الفائدة: (السلام عليكم ورحمة الله بركاته، كان لفضيلتكم فتوى حول تعزية الكفار في موتاهم، وأنَّه ليس من الموالاة في شيء، ولكن لي بعض الاستفسارات عن الفتوى:

- هل هذا عام في جميع النصارى أم أنَّه فيمَن كان -مثلًا- جارًا لي ولا يؤذيني؟ وهل ذلك ينطبق على شنودة، ذلك الرجل الذي حارب الدين، وأسر المسلمات وأذاهنَّ وردَّهنَّ عن دينهنَّ، وحرَّض على الفتنة؟!

- أليس مِن المفترض أن نفرح ونعلن الأفراح بأنَّ الله أخذ أحد الظالمين الطغاة "شنودة"، كما فرحنا لمَّا أذل الله مبارك؟! أم هل يتساوى شنودة مع غيره ممَّن لم يؤذوا المسلمين؟! هل هذا الرجل تجوز فيه التعزية؟ هل كان للمسلمين أن يعزوا المشركين في أبي جهل؟! وهل يجوز للحزب أن يفعل ذلك، أن يعزي في خاطف كاميليا ووفاء، بدلًا مِن أن يفرح بموته؟! أمَا كان للحزب أن يصمت أفضل مِن أن يرسل التعازي؟ أفادكم الله وزاد في علمكم، أزيلوا ما عندي من التباس في فهم الأمور.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أمَّا بعد:

- فلا يوجد نص يمنع مِن التعزية في جميع الكفار، وإن كان الذي يستحق ذلك كافر معاهَد توجد مصلحة في معاملته بالبر والقسط؛ لإظهار سماحة الإسلام، والرد على محاولات تشويه صورة الإسلاميين، وتهييج العامة، بل والعالم ضدهم. والعبرة في ذلك بالمصلحة في المعاملة مع الحي بغض النظر عن الميت.

- وأمَّا المحارِب غير المعاهَد؛ فأيضًا لا يوجد نص يمنع من التعزية؛ فيبقى الأمر على الإباحة، ومبنى الأمر على المصلحة. ولا بد أن نفرِّق بين مَن يعلن العداوة كأبي جهل، وأتباعه يعلنونها ويعلنون الحرب، وبين مَن يجامل المسلمين ويُظهر المسالمة، وأتباعه كذلك. ولا بد مِن النظر في المصالح والمفاسد في المعاملة مع قوم لا بد من معاملتهم في وطن واحد، وفي ظروف الكل يعلمها).

سادسًا: يبدو أنَّ الشيخ الحويني -رحمه الله- لم يُنْقَل له موقف الحزب بوضوح في هذه المسألة؛ لأنَّ هذا قد حدث في فترة حكم الإخوان ودعا الكتاتني (رئيس حزب الحرية والعدالة الإخواني ورئيس مجلس الشعب وقتها) إلى الوقوف دقيقة حداد على وفاة شنودة، فلم يقف نواب حزب النور وهاج الإعلام ضدهم لا سيما، والإخوان هم من دعا للوقوف، فكان بيان الحزب نوعًا من إظهار أنَّنا لا نمنع من القدر الذي تبيحه الشريعة في الجملة وهو أمر جائز شرعًا وإن خضع للمصالح والمفاسد من شخص لآخر.

ونسأل المخالفين لحزب النور الذين فرحوا بكلام الشيخ الحويني -رحمه الله- وطاروا به كل مطار نكاية في حزب النور: إذا كان الشيخ الحويني -رحمه الله- يرى أنَّ من سيضطر إلى التعزية -المباحة الأصل- خير له أن يترك ذلك العمل، فهل يكون رأيه أن يعمل في ركاب من يقعون في المخالفات الفجة الصريحة كالإخوان الذين سعوا للوقوف حدادًا على وفاة شنودة؟ والذين يصرحون بأنَّ الخلاف بين الإسلام وغيره خلاف ديناميكي؟ بلا شك أنَّه سيكون أكثر رفضًا، وهذا السلوك من التنازلات الفجة الصريحة هو موقف الإخوان قبل الحكم وأثناءه وبعده إلى الآن، ومع ذلك نجد العجب فيمن يتبنى مواقف الإخوان ويدافع عنهم ثمَّ هو في نفس الوقت يفرح بكلام للشيخ الحويني -رحمه الله- ينتقد فيه ما هو أقل من ذلك بكثير فهل هذا إلَّا الكيل بمكيالين؟!

سابعًا: ذكر الشيخ الحويني -رحمه الله- في التسريب عبارات بخلاف المنشورة في بيان الحزب مثل: (أنَّ الحزب تأسف على فقده ودعا الله أن يعوِّض المسيحيين خيرًا منه)، وهذا غير موجود في بيان الحزب ولكن نص التعزية كما نشرتها المواقع والصحف: "إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، يتقدم حزب النور إلى كافة المواطنين المسيحيين شركاء الوطن وإلى الكنيسة الأرثوذكسية بالتعازي في وفاة الأنبا شنودة بابا الكنيسة الأرثوذكسية. نقول: إنَّ البقاء لله وحده، وأنَّ الموت نهاية لكل إنسان، ونتمنى أن توفقوا في اختيار قيادةٍ جديدة ترعى مصلحة الوطن والمواطنين".

والعبارات الموجودة في البيان ليس فيها إلَّا مجرد تقديم العزاء مع التمني لاختيار قيادة ترعى مصلحة الوطن والمواطنين، وهي معانٍ صحيحة فاختيار مَن يراعي مصلحة الوطن خير من اختيار شخص يعمل ضد مصلحة الوطن بلا شك.

ثامنًا: لنا أن نسأل من أظهر هذا التسريب عدة أسئلة: هل كان هذا في لقاء عام أم خاص؟ وإن كان في لقاء خاص كما يظهر، فهل أذن الشيخ الحويني -رحمه الله- في نشره أم لا؟ وإن لم يأذن في نشره أفلا يكون نشره بعد وفاته من خيانة أمانة المجلس؟ وإن كان الشيخ -رحمه الله- لا يمانع في نشره فلماذا لم يعلن ذلك طيلة حياته؟ لولا أنَّه يرى أنَّه وإن كان هذا رأيه الخاص إلَّا أنَّه ربما لم يحب نشره حتى لا يكون سببًا في الفرقة أو الفتنة أو إضعاف دور من يقوم بالإصلاح -ولو خالفهم في الرأي- أو غير ذلك من الأسباب.

ثمَّ سؤال آخر: لو كان الغرض النصيحة وهذا حدث مرَّ عليه أكثر من 14 عامًا -لأنَّ هذا التسريب من 2012 في فترة حكم الإخوان-، فلماذا لم يخرج وقتها؟ ولماذا أظهرتموه الآن بعد وفاة الشيخ -رحمه الله-؟ ألم يكن الأنسب لمن أراد النصيحة أن يظهره في وقته؟ ولماذا لم تنتقدوا انحراف الأحزاب الأخرى كالإخوان التي مخالفاتها الفجة الصريحة لكلام الشيخ أظهر؟ وما موقف الشيخ -رحمه الله- من التكفير والصدام الذي وقع من الإخوان؟ وهل السكوت عن هذه الأفكار التي تسببت في الانحراف الكبير الذي وقع في المجتمع يكون مقبولًا بينما إظهار مخالفة الشيخ الحويني -رحمه الله- لحزب النور هو الواجب؟!

تاسعًا: أقوال العلماء في مسألة تعزية الكافر:

- جاء في الفتاوى الهندية (1/ 167) (من كتب الحنفية): "ويقال في تعزية المسلم بالكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك. وفي تعزية الكافر بالمسلم: أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك، ولا يقال: أعظم الله أجرك، وفي تعزية الكافر بالكافر: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك، كذا في السراج الوهاج".

- وقال ابن نجيم -رحمه الله- في «البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري» (8/ 232): "وإذا مات الكافر قيل لوالده أو لقريبه في تعزيته: أخلف الله عليك خيرًا منه، وأصلحك ورزقك ولدًا مسلمًا؛ لأنَّ الجزية تطهر".

- وقال النووي -رحمه الله- في المجموع (من كتب الشافعية) (5/ 305): "وإن عُزِّي مسلمًا بكافر. قال: أعظم الله أجرك وأحسن عزاك، وإن عزَّى كافرًا بمسلم قال: أحسن الله عزاك وغفر لميتك. وإن عزَّى كافرًا بكافر قال: أخلف الله عليك ولا نقص عددك".

- وقال الخطيب الشربيني -رحمه الله- في «مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» (2/ 42): "ولم يذكر المصنف تعزية الكافر بالكافر؛ لأنَّها غير مستحبة، اقتضاه كلام الشرح والروضة، بل هي جائزة إن لم يرج إسلامه كما مرت الإشارة إلى ذلك وإن كان قضية كلام التنبيه استحبابها مطلقًا كما نبهت على ذلك في شرحه، وصيغتها: أخلف الله عليك ولا نقص عددك بالنصب والرفع ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك ينفعنا في الدنيا بكثرة الجزية، وفي الآخرة بالفداء من النار".

- قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (3/ 486) (من كتب الحنابلة): "فصل: وتوقف أحمد -رحمه الله- عن تعزية أهل الذمة، وهي تخرَّج على عيادتهم، وفيها روايتان: إحداهما، لا نعودهم، فكذلك لا نعزيهم؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ) (متفق عليه). وهذا في معناه. والثانية: نعودهم؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى غلامًا من اليهود كان مريضًا يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: (أَسْلِمْ)، فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال له: أطع أبا القاسم. فأسلم، فقام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو يقول: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ) (رواه البخاري). فعلى هذا نعزيهم فنقول في تعزيتهم بمسلم: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك. وعن كافر: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك، ويقصد زيادة عددهم لتكثر جزيتهم. وقال أبو عبد الله ابن بطة -رحمه الله-، يقول: أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدًا من أهل دينك.

- وقال ابن مفلح -رحمه الله- في الفروع (10/ 334): "وتحرم العيادة والتهنئة والتعزية لهم، كالتصدير والقيام، وكمبتدع يجب هجره. وعنه يجوز، وعنه: لمصلحة راجحة، كرجاء إسلام، اختاره شيخنا -أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-، ومعناه اختيار الآجري -رحمه الله-، وأنَّه قول العلماء: يعاد ويعرض عليه الإسلام. نقل أبو داود -رحمه الله-: إن كان يريد يدعوه للإسلام فنعم، ويدعى بالبقاء، وكثرة المال والولد، زاد جماعة قاصدًا كثرة الجزية".

- قال المرداوي -رحمه الله- في "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (4/ 234 ت الفقي): "قوله: (وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم: روايتان) وأطلقهما في الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والمستوعب، والخلاصة، والكافي، والمغني، والشرح، والمحرر، والنظم، وشرح ابن منجا -رحمهم الله-. إحداهما: يحرم. وهو المذهب. صححه في التصحيح. وجزم به في الوجيز، وقدمه في الفروع. والرواية الثانية: لا يحرم. فيكره. وقدمه في الرعاية، والحاويين، في باب الجنائز. ولم يذكر رواية التحريم. وذكر في الرعايتين، والحاويين رواية بعدم الكراهة. فيباح وجزم به ابن عبدوس -رحمه الله- في تذكرته. وعنه: يجوز لمصلحة راجحة، كرجاء إسلامه. اختاره الشيخ تقي الدين -رحمه الله-. ومعناه: اختيار الآجري -رحمه الله-. وأنَّ قول العلماء: يعاد، ويعرض عليه الإسلام قلت: هذا هو الصواب. وقد عاد النبي -صلى الله عليه وسلم- صبيًّا يهوديًّا كان يخدمه. وعرض عليه الإسلام فأسلم. نقل أبو داود -رحمه الله-: أنَّه إن كان يريد أن يدعوه إلى الإسلام: فنعم. وحيث قلنا يعزيه فقد تقدَّم ما يقول في تعزيتهم في آخر كتاب الجنائز، ويدعو بالبقاء وكثرة المال والولد. زاد جماعة من الأصحاب منهم صاحب الرعايتين، والحاويين، والنظم، وتذكرة ابن عبدوس -رحمهم الله-، وغيرهم قاصدًا كثرة الجزية. يظهر من كلام ابن قدامة وابن مفلح والمرداوي من الحنابلة -رحمهم الله-: أنَّ القول بالتحريم وإن كان هو الرواية المشهورة في المذهب لكن هناك رواية أخرى بالكراهة وهناك رواية بالجواز من غير كراهة وهناك رواية بالجواز إن كان لمصلحة راجحة وهي التي اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وصوبها المرداوي -رحمه الله- في الإنصاف.

- وجاء في «مواهب الجليل في شرح مختصر خليل» (2/ 231) (من كتب المالكية): "قال في كتاب ابن سحنون -رحمه الله- ويعزى الذمي في وليه يقول: أخلف الله لك المصيبة وجزاه أفضل ما جزى به أحدًا من أهل دينه. قال الشافعي -رحمه الله-: وإذا عزى ذميًّا بمسلم قال: غفر الله لميتك وأحسن عزاءك انتهى. وما عزاه لكتاب ابن سحنون -رحمه الله- هو في النوادر بزيادة: إن كان له جوار ونصه: وفي كتاب ابن سحنون -رحمه الله- ويعزى الذمي في وليه إن كان له جوار يقول له: أخلف الله لك المصيبة وجزاه أفضل ما جزى به أحدًا من أهل دينه. انتهى...  

ونقل عن ابن رشد -رحمه الله- قوله: وقد روي عن مالك -رحمه الله- أنَّ للرجل أن يعزي جاره الكافر بموت أبيه الكافر لذمام الجوار فيقول: أخلف الله لك المصيبة وجزاه أفضل ما جزى به أحدًا من أهل دينه فالمسلم بالتعزية أولى وهو بذلك أحق وأحرى... وقال: ونقله صاحب التوضيح وابن عرفة -رحمهما الله- باختصار ونص ابن عرفة -رحمه الله-: وفي تعزية المسلم بأبيه الكافر قولان لابن رشد -رحمه الله- مع تخريجه على قول سحنون ومالك -رحمهما الله- بتعزية الكافر بجوازه بأبيه... ثمَّ قال في نهاية كلامه: واستفيد منه أنَّ القولين إنَّما هما في تعزية المسلم بوليه الكافر. الأول منهما أنَّه يعزى به وهو قول ابن رشد -رحمه الله- وتخريجه له على قول مالك وسحنون -رحمهما الله- في تعزية الكافر بوليه الكافر لجواره. والثاني أنَّه لا يعزى به وهو قول مالك -رحمه الله- في سماع المذكور وأمَّا المسألة المخرج عليها وهي تعزية الكافر بوليه الكافر بجواره؛ فليس فيها إلَّا قول مالك وسحنون -رحمهما الله-: إنَّه يعزى به وكلام الشيخ زروق -رحمه الله- في شرح الإرشاد موافق لكلام ابن عرفة -رحمه الله- فإنَّه صدَّر في أول كلامه بتعزية الكافر في وليه ولم يحكِ فيه خلافًا، ثمَّ حكى في آخر كلامه القولين في تعزية المسلم لوليه الكافر".

والخلاصة من كلام المالكية: أنَّهم لم يختلفوا في جواز تعزية الكافر بالكافر إن كان له جوار، واختلفوا في تعزية المسلم بوليه الكافر على قولين.

- بعد عرض أقوال المذاهب يتبين أنَّ قول الأكثر على جواز تعزية الكافر بالكافر وبعضهم يقيد إن كان له جوار، وبعضهم يقيد بالمصلحة الراجحة كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وذلك قياسًا على جواز عيادة الكافر للمصلحة الراجحة، ويظهر منها بوضوح أنَّ حزب النور لم يتنازل عن الثوابت بل أخذ بقول الجمهور في هذه المسألة، وهو الذي دلَّت عليه الأدلة.