الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 03 أغسطس 2026 - 20 صفر 1448هـ

احذر.. إنَّ قلبك في الميزان (2)

كتبه/ أشرف فراج

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

رجل كانت رِجْله أثقل من جبل أُحُد؛ فكيف بقلبه؟!

عن علي -رضي الله عنه- قال: أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ابْنَ مَسْعُودٍ فَصَعِدَ عَلَى شَجَرَةٍ أَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْهَا بِشَيْءٍ -وقيل: أن يأتيه منها بعود أراك- فَنَظَرَ أَصْحَابُهُ إِلَى سَاقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حِينَ صَعِدَ الشَّجَرَةَ فَضَحِكُوا مِنْ حُمُوشَةِ سَاقَيْهِ -أي: من دقتها- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا تَضْحَكُونَ! لَرِجْلُ عَبْدِ اللَّهِ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ!) (رواه أحمد وصححه الألباني).

فتصور كيف يُقاس الناس، لكن ليس بميزاننا!

وانظر إلى هذا الرجل الذي اهتز له عرش الرحمن! أتدري ما عرش الرحمن؟

ورد في الحديث أنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إِذَا قَارَنْتَهَا بِالْكُرْسِيِّ كَانَتْ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ، كأنك رميت قطعة معدنية في صحراء، ماذا ستكون الحلقة بالنسبة للصحراء؟! لا شيء يُذكر، والسماوات والأرض بالنسبة للكرسي الذي هو موطن قدم الرب -سبحانه وتعالى- لا شيء، والكرسي بالنسبة للعرش كذلك، يعني: الكرسي مقارنةً بالعرش لا شيء، وهذا العرش تحمله الملائكة، لما تسمع وصفهم ترى عجبًا، النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). فإذا كان هذا وصف أحد حملة العرش؛ فما بالك بالعرش؟! فما بالك بخالقه"! هذا العرش اهتز لموت سعد بن معاذ -رضي الله عنه-، فما وزنه عند الله لمَّا يكون هذا له؟!

وقد ورد في الحديث: (رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ -الذي لا يملك شيئًا- لَا يُؤْبَهُ لَهُ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) (رواه مسلم).

ونرى مثل هذا كثيرًا في الإشارات، عند المساجد، في الحرم، تجده مدفوعًا بالأبواب، وقد يأتي في نفسك إحساس أنك أحسن منه! نادرًا ما نستطيع أن نقف مع أنفسنا وندافع هذه المشاعر، بل لمَّا ندافعها كثيرًا ما تغلبنا، والشيطان يقول: "ربنا أكرمك وأعطاك وشرفك، وأنت شاكر، فجمعت بين الخيرين لك: مكانة، وفي الوقت نفسه شاكر وعابد"، يعني: فوق الكبر عُجب! فتجتمع مصيبتان على قلوبنا، وهذا لأننا لا زلنا لم نتحرر من موازين الناس.

عطاء الله لا يدل على رضا الله، فلا تتصور أنَّ مكانةً أو مالاً أو بيتًا يدل على الرضا أبدًا، بل غالب مَن أُعطوا وَقَع في قلوبهم الغرق بالدنيا، ولذلك انظر إلى الشاكرين، تجد أنَّ الله -عز وجل- يقول عنهم في كتابه: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (يوسف: 38)، ووصف أكثر الناس في القرآن: (لَا يَعْلَمُونَ)، (لَا يُؤْمِنُونَ)، (لَا يَشْكُرُونَ)، والواقع يقول: إنَّ زيادة العطاء تؤدي إلى زيادة قسوة في القلب، إلى زيادة إحساس بالطمأنينة، إلى زيادة إحساس بأنك أفضل من غيرك!

وللحديث بقية -إن شاء الله-.