كتبه/ محمد صادق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي كلِّ عمل دعوي هناك أسماء ظاهرة يعرفها الناس، وأصوات مسموعة، ووجوه تتصدر المشهد، وهناك في الخلف رجال ونساء يعملون في صمت: يجهزون، يرتبون، يعلِّمون، يتابعون، يصلحون ما فسد، ويكملون ما نقص، وربما لا يسمع أحد أسماءهم، ولا يصفق لهم أحد، ولا يُذكرون في نهاية الطريق؛ هؤلاء هم أصحاب الولاء الصامت.
ليسوا ضعفاء لأنهم لا يشتكون، ولا قليلي القيمة لأنهم لا يظهرون، ولا هامشيين لأنهم يعملون بعيدًا عن الضوء، بل كثيرًا ما يكون هؤلاء هم الأعمدة الخفية التي يقوم عليها البناء كله. قد لا تراهم العيون، لكن الأثر يشهد لهم، والملائكة تكتب، ورب العالمين لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
الدعوة ليست منبرًا فقط، ولا درسًا فقط، ولا منشورًا ينتشر، ولا اسمًا يلمع؛ الدعوة أيضًا رسالة تُحمل في الخفاء، ووقت يُبذل بلا إعلان، ونيّة تُجدد حين يخذل الناس، وثبات حين يقلّ الشكر ويكثر التعب؛ لذلك من الظلم أن نتعامل مع إخلاص الصامتين وكأنه أمر مضمون.
بعض الناس يظن أن الداعية أو العامل الصامت لا يحتاج إلى كلمة تقدير، ولا يحتاج إلى احتواء، ولا يتأثر بالإهمال، وهذا خطأ تربوي ودعوي كبير؛ فالقلوب وإن خلصت لله، فهي تحتاج إلى الرحمة، والرفق، والعدل، وحسن الصحبة.
نعم، الأصل أن يعمل الإنسان لله لا للناس، لكن العمل لله لا يعني أن نهمل الناس، والإخلاص لا يبرر الجحود. ومن فقه الدعوة أن نحفظ قلوب العاملين قبل أن نطالبهم بمزيد من البذل؛ لأن الدعوة لا تقوم فقط بالأفكار، بل تقوم بالقلوب الحية.
كم من أخٍ صامت حمل عملًا كاملًا سنوات، ثم انطفأ لأنه لم يجد من يسأله: كيف حال قلبك؟
وكم من أختٍ بذلت في التعليم والتربية والمتابعة، ثم انسحبت بهدوء؛ لأنها شعرت أن وجودها لا يُرى إلا وقت الحاجة.
وكم من عامل مخلص لم يطلب منصبًا ولا شهرة، لكنه كان يحتاج فقط إلى كلمة: جزاك الله خيرًا، نحن نراك، ونقدّر تعبك.
وفي المقابل: على صاحب الولاء الصامت أن يراجع قلبه أيضًا. لا تجعل قلة التقدير تفسد نيتك، ولا تجعل جفاء الناس يحجب عنك استحضار نظر الله إليك. قد ينسى الناس معروفك، لكن الله لا ينسى. وقد لا تُذكر في المجالس، لكن اسمك قد يكون مذكورًا في السماء. وقد تعمل في زاوية صغيرة، لكن أثرها عند الله عظيم إذا صدقت النية.
إن أجمل ما في الدعوة أن الله لا يحاسبنا بحجم التصفيق، بل بصدق القلوب.
ولا يقيس الأعمال بظهورها للناس، بل بإخلاصها وصوابها.
فرب عمل صغير في أعين الخلق، عظيم في ميزان الله.
ومع ذلك، فإن الجماعات والمؤسسات والفِرَق الدعوية مطالبة أن تنتبه لهؤلاء الصامتين؛ لا تنتظروا حتى يرحلوا، لا تنتبهوا إليهم بعد أن يبرد حماسهم.
لا تجعلوا الوفاء سببًا للاستنزاف.
الدعوة بيت كبير، ولا يقوم البيت إلا إذا حفظ أهله بعضهم بعضًا.
ومن الوفاء للدعوة أن نكون أوفياء لأهل الدعوة.
فاللهم بارك في الجنود الصامتين الذين لا يعرفهم كثير من الناس، ويعرفهم رب الناس.
اللهم اجعل أعمالهم خالصة لوجهك، واجبر خواطرهم، واحفظ قلوبهم من الانكسار، واجعلنا ممن يقدّرون أهل البذل قبل أن نفقدهم.
ففي طريق الدعوة، ليست كل الأصوات العالية أكثر أثرًا، وليست كل الأسماء الظاهرة أعظم أجرًا.
هناك من يبني في صمت والله يراه.