الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 20 أبريل 2026 - 3 ذو القعدة 1447هـ

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (253) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (3)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).

الفائدة السابعة:

دلَّ قوله -تعالى-: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) على وجود العداوة والبغضاء مع الآلهة المعبودة من دون الله، وهي وإن كانت حجارة أو خشبًا لا يعقل؛ فإنه قد صار لها رمزية الآلهة، فتسميتها وحقيقة عداوتها وبغضها هو لفكرة عبادتها من دون الله، وبغض عابديها؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الممتحنة: 4-6).

فالكفر بما يُعبد من دون الله وعداوة فكرة عبادتها، وعداوة عابديها حتى يؤمنوا بالله وحده؛ هذه المسألة هي أعظم مسألة تبدأ بها كلمة الشهادة: (لا إله إلا الله)؛ فهي تبدأ بالنفي للألوهية الباطلة التي ادَّعاها المشركون لآلهتهم ثم إثبات الألوهية الحقة لله وحده، وهذه العداوة واجبة، بل ركن في الإيمان لا يحصل الإيمان والتوحيد إلا بها، وهي ما ينقم أعداء الإسلام علينا نحن المسلمين، وخاصة أهل السنة والجماعة؛ الذين يقيمون عقيدة الولاء والبراء، ويقيمون النفي والإثبات، ويصرِّحون بكفر مَن عبد غير الله، ويرفضون فكرة ما يُسمَّى: بـمُسَاواة الأديان، وما يسمى: بالدين الإبراهيمي الجديد القائم على مُسَاواة الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام؛ بزعم انتسابها إلى إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وهو -عليه الصلاة والسلام- بريء منها؛ قال الله -عز وجل-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 67- 68).

وهي إنما هي فكرة لخداع المسلمين دون غيرهم؛ فهل ترون ما يفعل اليهود ومَن والاهم مِن المشركين مِن النصارى ومَن وَالَاهم بالمسلمين في غزة -سابقًا- وفلسطين والضفة الغربية، وما يفعلونه في حروبهم المختلفة في الخليج، وكيف قتلوا في الخليج والعراق وأفغانستان، وكيف قتلوا ملايين المسلمين وهم يزعمون أنهم يعتقدون مُسَاواة هذه الأديان؟! فهذا إنما هو لخداع المسلمين فقط؛ وإلا اليهود يعتقدون أنه لا دين يعلو إلا اليهودية التي هم عليها، وهي على ما هي عليها الآن من التحريف والتبديل لا يمكن أن تُنسَب إلى موسى -عليه السلام-، وكذا المسيحية والنصرانية لا يمكن أن تُنسَب إلى عيسى -عليه السلام-.

وهذه البراءة وفكرة معاداة عبادة غير الله هي أوضح المسائل عند إبراهيم -عليه السلام-، وهو بَدَأَ بها كما نسمع في دعوة أبيه وقومه، وفي قوله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الزخرف: 26-28)، فهي كلمة لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها بأمر الله.

وأما إذا كان المعبود من دون الله صالحًا كالملائكة والأنبياء والصالحين، وهو يكره عبادة غير الله، ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ولم يَرْضَ بأن يُعبد من دون الله: فإن العداوة لا تكون لهم؛ لأنهم لا يرضون بأن يعبدهم أحدٌ من دون الله، أو مع الله، ولو انتسب إليهم وزعم حبهم؛ ولذا ففي هذه الحالة العداوة تكون لمن أمر الناس بعبادتهم مِن: شياطين الإنس والجن، والأحبار والرهبان، والشيطان الذي صارت العبادة له؛ قال الله -تعالى-: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (يس: 60-61)، وقال -عز وجل-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: 30-31).

وقال الله -عز وجل-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة: 72).  

وفي حديث الشفاعة عند الطبراني بإسنادٍ حسنٍ -أو أعلى كما قال الألباني في تخريج أحاديث مختصر العلو-، وكذا عند أبي الدنيا والدارقطني في رؤية الله: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضَاءِ، وَيَنْزِلُ اللَّهُ -عز وجل- فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ مِنَ العَرْشِ إِلَى الكُرْسِيِّ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ نَاسٍ مِنْكُمْ مَا كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ وَيَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ عَدْلاً مِنْ رَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَلْيَنْطَلِقْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ وَيُمَثَّلُ لَهُمْ أَشْبَاهُ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى الشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى القَمَرِ وَإِلَى الأَوْثَانِ مِنَ الحِجَارَةِ وَأَشْبَاهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. قَالَ: وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى، وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، وَيَبْقَى مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- وَأُمَّتُهُ. قَالَ: فَيَتَمَثَّلُ الرَّبُّ -عز وجل- فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ: مَا لَكُمْ لَا تَنْطَلِقُونَ كَمَا انْطَلَقَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ لَنَا لإِلَهًا مَا رَأَيْنَاهُ بَعْدُ. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَهُ إِنْ رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَلَامَةً إِذَا رَأَيْنَاهَا عَرَفْنَاهُ. فَيَقُولُ: مَا هِيَ؟ فَيَقُولُونَ: يَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ كَشَفَ عَنْ سَاقٍ فَيَخِرُّ كُلُّ مَنْ كَانَ نَظَرَهُ، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِي البَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ. ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ. فَيَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ فَيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الجَبَلِ العَظِيمِ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةً وَيُطْفَأُ مَرَّةً، فَإِذَا أَضَاءَ قَدَّمَ قَدَمَهُ فَمَشَى، وَإِذَا أُطْفِئَ قَامَ. قَالَ: وَالرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَامَهُمْ حَتَّى يَمُرَّ فِي النَّارِ (قلتُ: أَيْ: عَلَيْهَا وَفَوْقَهَا)، فَيَبْقَى أَثَرُهُ كَحَدِّ السَّيْفِ، ‌دَحْضَ مَزَلَّةٌ. قَالَ: يَقُولُ: مُرُّوا. فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ نُورِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفَةِ العَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالسَّحَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الكَوْكَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الفَرَسِ (قلتُ: أَيْ: جَرْيِهِ)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّجُلِ (قلتُ: أَيْ: جَرْيِ الرَّجُلِ)، حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمَيْهِ يَحْبُو عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، تُجَرُّ يَدٌ وَتَعْلَقُ يَدٌ، وَتُجَرُّ رِجْلٌ وَتَعْلَقُ رِجْلٌ، وَتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَخْلُصَ، فَإِذَا خَلُصَ وَقَفَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا، أَنْ نَجَّانِي مِنْهَا بَعْدَ إِذْ رَأَيْتُهَا.

قَالَ: فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى غَدِيرٍ عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُ فَيَعُودُ إِلَيْهِ رِيحُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَلْوَانُهُمْ، فَيَرَى مَا فِي الجَنَّةِ مِنْ خَلَلِ البَابِ فَيَقُولُ: رَبِّ أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: أَتَسْأَلُ الجَنَّةَ وَقَدْ نَجَّيْتُكَ مِنَ النَّارِ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابًا لَا أَسْمَعَ حَسِيسَهَا. قَالَ: فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، قَالَ فَيُرَى أَوْ يُرْفَعُ لَهُ مَنْزِلٌ أَمَامَ ذَلِكَ، كَأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ حُلُمٌ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَعْطِنِي ذَلِكَ المَنْزِلَ. فَيَقُولُ لَهُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهُ تَسْأَلُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ يَكُونُ أَحْسَنَ مِنْهُ؟! فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ، وَيَرَى أَمَامَ ذَلِكَ مَنْزِلاً كَأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ حُلُمٌ، قَالَ: رَبِّ أَعْطِنِي ذَلِكَ المَنْزِلَ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أُعْطِيتَكَهُ تَسْأَلُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ أَحْسَنُ مِنْهُ؟! فَيُعْطَى مَنْزِلَهُ، قَالَ: وَيُرَى أَوْ يُرْفَعُ لَهُ أَمَامَ ذَلِكَ المَنْزِلِ مَنْزِلٌ آخَرُ كَأَنَّمَا هُوَ إِلَيْهِ حُلُمٌ، فَيَقُولُ: أَعْطِنِي ذَلِكَ المَنْزِلَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَهُ تَسْأَلُ غَيْرَهُ؟ قَالَ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ يَكُونُ أَحْسَنَ مِنْهُ؟ قَالَ: فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ -عز وجل-: مَا لَكَ لَا تَسْأَلُ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ سَأَلْتُكَ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُكَ، وَأَقْسَمْتُ لَكَ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرْضَ أَنْ أُعْطِيَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقْتُهَا إِلَى يَوْمِ أَفْنَيْتُهَا وَعَشَرَةَ أَضْعَافِهِ؟ فَيَقُولُ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ العِزَّةِ؟ فَيَضْحَكُ الرَّبُّ -عز وجل- مِنْ قَوْلِهِ). قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ إِذَا بَلَغَ هَذَا المَكَانَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ ضَحِكَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَدْ سَمِعْتُكَ تُحَدِّثُ بِهَذَا الحَدِيثِ مِرَارًا كُلَّمَا بَلَغْتَ هَذَا المَكَانَ ضَحِكْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثِ مِرَارًا، كُلَّمَا بَلَغَ هَذَا المَكَانَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ ضَحِكَ حَتَّى تَبْدُوَ أَضْرَاسُهُ. قَالَ: (فَيَقُولُ الرَّبُّ -عز وجل-: لَا، وَلَكِنِّي عَلَى ذَلِكَ قَادِرٌ، سَلْ. قَالَ: فَيَقُولُ: أَلْحِقْنِي بِالنَّاسِ. فَيَقُولُ: الحَقِ النَّاسَ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ يَرْمَلُ فِي الجَنَّةِ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ النَّاسِ رُفِعَ لَهُ قَصْرٌ مِنْ دُرَّةٍ فَيَخِرُّ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ مَا لُكَ؟ فَيَقُولُ: رَأَيْتُ رَبِّي أَوْ تَرَاءَى لِي رَبِّي. فَيُقَالُ: إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِكَ. قَالَ: ثُمَّ يَلْقَى رَجُلاً فَيَتَهَيَّأُ لِلسُّجُودِ لَهُ، فَيُقَالُ: مَهْ. فَيَقُولُ: رَأَيْتُ أَنَّكَ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ. فَيَقُولُ: إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ مِنْ خُزَّانِكَ، عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِكَ، تَحْتَ يَدِي أَلْفُ قَهْرَمَانٍ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.