الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
تتقدَّم "الدعوة السلفية في مصر" بأسمى معاني التهاني للشعب المصري الكريم والأمة الإسلامية جميعًا، تقبَّل الله منا ومنكم، وأعاده الله علينا وعليكم بالخير واليُمن والبركة.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: (مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟) قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
الأعياد في الإسلام عبادة وفرحة مرتبطة بطاعة الله:
فالأعياد تجمع بين العادة والعبادة، والمسلم حياته تدور حول تحقيق العبودية، وشرطا قبول العمل هما: الإخلاص والاتباع؛ ابتغاء وجه الله بالعمل الصالح، وأن يكون على خير الهدي، هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فللمسلمين عيد كل أسبوع وهو يوم الجمعة، ولهم عيدان في كل عام: عيد الفطر ويأتي بعد اكتمال صيام شهر رمضان، وعيد الأضحى ويأتي بعد يوم عرفة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (الْحَجُّ عَرَفَةُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وكأنَّ الأعياد تأتي بعد اكتمال الطاعات وانصياع الأمة في مجموعها لأوامر ربِّها؛ فإنَّ الفرحة والسعادة مرتبطتان بالطاعة في الدنيا حتى يرد المسلم الحوض على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيشرب منه كلُّ مطيع متَّبِع.
ويوم النحر، يوم الحج الأكبر، يوم عيد الأضحى هو أعظم الأيام عند الله -سبحانه وتعالى-؛ ففيه رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق والتقصير، والطواف، والسعي، وقد صحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
الدروس الإيمانية والتربوية من قصة الفداء العظيم:
لقد ابتلى الله -سبحانه وتعالى- أباكم إبراهيم -عليه السلام- في ولده وفي فلذة كبده، والذي رزقه الله به بعد أن بلغ من الكبر عتيًّا، فقد أمره الله -سبحانه وتعالى- بذبحه: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) (الصافات: 102)، فكان جواب الولد الصالح الذي حَسُنت تربيته: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات: 102)، وبعد أن استسلم الأب والابن لله -سبحانه وتعالى-، قال -تعالى-: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) (الصافات: 105)، ثم كان الفداء العظيم: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات: 107).
وفي الفداء من المعاني الإيمانية العظيمة التي تُبنى عليها الأمم والتي ترسم طريق السعادة للبشرية؛ ففيه: الطاعة المطلقة لله -سبحانه وتعالى- رغم الشدة والابتلاء، وفيه حسن التربية الإيمانية داخل الأسرة، وفيه بر الوالدين والمسارعة في طاعتهما، وفيه الصبر على البلاء وعدم الجزع، وفيه التضحية بالنفس استجابة لأمر الله -سبحانه وتعالى-؛ لذلك كانت الأضحية شعيرة عظيمة شرعها الله -سبحانه وتعالى- تذكيرًا بطاعة إبراهيم -عليه السلام- وفداء إسماعيل -عليه السلام-.
فريضة الحج ودلالاتها الإيمانية ورد الفرية عن السنة المطهرة:
وبينما نحتفل هنا -عباد الله- بيوم الأضحى، يؤدي من وُفِّق للحج هذا العام مناسك الحج هناك في مكة في أم القرى؛ فالحج هو ركن الإسلام العظيم وأحد المباني الخمسة التي بُني عليها الإسلام والثابتة بالكتاب والسنة. وقد ضلَّ قوم يريدون من المسلمين ترك السنة تحت دعوى اتباع القرآن فقط، وهي دعاوى خبيثة تنطلق من الغرب عبر المستشرقين وأذنابهم، يريدون بها صرف الناس عن سنة نبيهم بل عن دين الله كله، ولو كانوا يعظِّمون القرآن -كما يزعمون-؛ لاستجابوا لقول الله -سبحانه وتعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: 7)، بل إنَّ مناسك الحج مأخوذة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) (رواه مسلم).
وفي الحج تسليم مطلق لله -سبحانه وتعالى-، وإقبال على طاعته، واتباع لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وسنته، وفيه ترك متاع الدنيا وترك فضول الملبس والمطعم والمشرب، وفيه ترك المعاصي والرفث والفسوق، وفيه عون على التوبة والرجوع لله -سبحانه وتعالى-؛ فمن يترك المباحات من التعطر وقص الشعر والأظافر وهي محببة للنفس السوية، يسهل عليه ترك المعاصي والموبقات التي تنفر منها النفس السوية كذلك.
وفي الحج تذكير باليوم الآخر وأنَّ الناس يحشرون إلى الله -سبحانه وتعالى- حفاةً عراةً ليس معهم شيء من متاع الدنيا، وفي الحج استشعار وحدة المسلمين وأنَّ ما يجمعهم هو ذلك الدين العظيم، وأنَّ طريق وحدتهم ميسور كما كان الطريق إلى حجهم ميسورًا؛ يكفي أن يجتمعوا على الشرع وعلى اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- كما أخذوا عنه مناسك الحج. وفي الحج أنَّ المسلمين مصالحهم واحدة كما أنَّ شريعتهم واحدة، وفي الحج طريق مفتوح للتوبة والميلاد الجديد، ميلادٍ خالٍ من الذنوب والمعاصي، وفي الحج بركة ونفي للفقر والذنوب، وبالحج يكتمل الدين ويستقر الإيمان.
ديمومة الطاعة وحماية المجتمع من فتن وسائل التواصل الاجتماعي:
لقد ودعنا بالأمس القريب العشر الأوَل من ذي الحجة، خير أيام العام؛ تلك الأيام التي يحب الله فيها الطاعة من عباده المؤمنين: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ) (رواه البخاري). وطاعة الله -سبحانه وتعالى- لا تتوقف على موسم ولا على شعيرة بعينها، بل يتقرب المسلم إلى الله -سبحانه وتعالى- بالطاعة في كل حين؛ فالصلوات الخمس وإقامتها في بيوت الله -سبحانه وتعالى-، والسنن الرواتب، والصدقة، والإنفاق في سبيل الله، وتلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وذكر الله -سبحانه وتعالى- بكرةً وأصيلًا وفي كل حين، وصيام الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- بالحكمة والموعظة الحسنة، والدعاء لله -سبحانه وتعالى- وحده، والذبح له وحده، وطلب المدد منه وحده، وإعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، وكفالة اليتيم، والسعي في حوائج الناس؛ كلها من القربات والطاعات التي لا تتوقف على مواسم بعينها، بل (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين: 26).
إنَّ الطاعة سعادة للفرد وسعادة للمجتمع؛ فالفرد الصالح يأمن المجتمعُ بوائقه، بل يساهم في صلاح مجتمعه، كما أنَّ المعصية نذير شؤم على الفرد وعلى المجتمع؛ فأكل الربا ينذر بحرب من الله ورسوله، وانتشار الفواحش ينذر بانتشار الأمراض والأوجاع التي لم تكن في الأسلاف، وأكل أموال الناس بالباطل يقطع الأرحام ويفسد العلاقات، والجرأة على الغيبة والنميمة تنشر البغضاء.
ومما ابتليت به الأمة في عصرنا الحالي انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والتي بدلًا من أن تكون بابًا للتواصل والتآلف ونشر الخير، صارت وسيلة لنشر المنكرات والبحث عن الشهرة والشهوة والمال بأي طريق؛ فصرنا نرى بعض من زاغت قلوبهم عن طريق الهدى يتباهون بكشف العورات ونشر صور الفسوق والعصيان، بل ونشر ما أباحه الله للأزواج خلف الأبواب المغلقة والستر على وسائل التواصل، واتهام من يرفض تلك التصرفات العبثية بالرجعية! وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ) (رواه ابن ماجه وحسنه الألباني)، بل إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى أن ترى المرأةُ المرأةَ فتخرج تصفها لزوجها ولو بمجرد الوصف؛ لأنَّ فيه ذريعة نحو الفساد؛ فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تُبَاشِرِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا) (رواه البخاري).
رؤية الشريعة لبناء الأسرة واستقرارها (قانون الأحوال الشخصية):
يأتي العيد وقد أثارت مناقشة قانون الأحوال الشخصية موجات من النقاشات والجدالات، وحُقَّ له ذلك؛ فهو يناقش قضية من أشد القضايا تأثيرًا على سعادة الفرد والأسرة والمجتمع سلبًا وإيجابًا، فقد شرع الله -عز وجل- الزواج قضاءً للوطر، وسكينةً للنفس، وإعانةً على الطاعة، وغضًّا للبصر، وحفظًا للفرج، وصيانةً للنسل.
إنَّ الزواج السعيد يبدأ بحسن الاختيار، وقد دلنا الله -سبحانه وتعالى- على معايير الاختيار في شريعته؛ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ) (رواه أبو داود وصححه الألباني)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ) (رواه الترمذي وحسنه الألباني)؛ فباب الزواج السعيد هو الاختيار السديد.
ثم تحمل المسؤولية والقيام بالواجبات؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه)؛ فعلى الرجل النفقة وتحمُّل المهام الشاقة وله القوامة، وعلى المرأة حسن التبعل والطاعة ولها أن تصان وتحفظ.
وجعل الله -سبحانه وتعالى- بينهما من المودة والرحمة ما تحلو به الحياة وتستقر به الأسرة، فتتوفر بيئة يكسوها الرحمة والعطف، فتنتج أبناءً أسوياء يحملون معاني الرحمة والبر، يسعد بهم الآباء في الصغر ويمنحونهم العطف والرعاية، ويتلقونهما منهم حين يكبرون حين يرق العظم وينحني الظهر.
لقد بيَّن الإسلام عوامل نجاح الزواج: فأمر بحسن الاختيار، واشترط موافقة الولي لرعاية مصلحة المرأة، وكبح جنوح عاطفتها الذي قد يجعلها تتعجل في الاختيار، وبيَّن الحقوق والواجبات بين الزوجين، وبيَّن السبيل القويم عند نشوب الخلاف، وأمر بالتقوى وعدم نسيان الفضل عند حدوثه، وحذَّر من العضل والحيف والجور، وألزم الرجل بالنفقة على قدر سعته، وجعل باب الطلاق بابًا للانفصال عندما تصعب العشرة بالمعروف، وجعل باب الخلع للمرأة عندما تخاف ألا تقيم حدود الله، وبيَّن في كل ذلك الحقوق والواجبات. ولو التزم بذلك المسلمون لكان ذلك خير سبيل عند نشوب الخلاف، ولتجنبنا ما نراه من رغبة في الانتقام بين الأزواج والأُسَر عند الانفصال، ولتجنبنا أن يدفع الأبناء ثمن تلك المعارك التي هم أول من يحترقون بها، وتظل آثارها باقية في نفوسهم مبتلين بها ثم يُبتلى المجتمع كله بها؛ فالزواج باب من أبواب السعادة إن اتبعنا تلك الضوابط التي وضعها الشرع الحنيف، وهو باب للشقاء عند الابتعاد عن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وترك النفس للانتقام والتشفي.
واجب النصرة والدعاء لإخواننا المستضعفين في شتى البقاع:
يأتي العيد وتأتي معه الفرحة بنعم الله -سبحانه وتعالى- وبإكمال طاعته، ولكن تلك الفرحة لا تنسينا إخواننا في شتى بقاع الأرض من المشردين والمعذبين والمقهورين؛ ففي غزة جرح لم يندمل، ولا يزال العدو المجرم يقصف ويقتل ويحاصر، وفي السودان جرح نازف وتحيط به الأطماع حول موانيه وذهبه وحرثه وصمغه، وفي لبنان وليبيا، وها هي أطماع الغرب والشرق تحيط بالشرق الأوسط من كل مكان.
وفي الاعتصام بحبل الله نجاة، وفي عدم الفرقة وجمع الكلمة ردع لكلِّ مَن تسول له نفسه ترويع الآمنين وقتل الأبرياء، والاستيلاء على المقدرات؛ قال -تعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 103).
فاللهم نجِّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف.
معرفة الله وتوحيده.. طريق النصر في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة:
إنَّ الأمة لم تعرف النصر الحقيقي إلا على يد من صحت عقيدته؛ فالإيمان والتوحيد هما طريق التمكين والنصر والاستخلاف في الأرض؛ قال -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55).
سقوط الأقنعة الغربية وحقيقة التحالفات الدولية:
فلا ينتظرنَّ أحدٌ نصرًا من مكذِّب بالدِّين محارب له؛ قال -تعالى-: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) (المائدة: 82). ولقد فضحت أحداث غزة الغرب، وبيَّنت حقيقة حقدهم الدفين على المسلمين، وكيف أنهم أمدوا المجرمين بالذخيرة التي قُتل بها شعبنا الفلسطيني هناك. كما فضحت الحرب الأخيرة على إيران هشاشة التحالف معهم، وكيف أنهم يقدمون مصلحة الكيان على أي مصلحة أخرى، ولم تنفع الاتفاقات الإبراهيمية من سارع إليها، ولم تضمن له حماية ولا أمنًا، ولا سبيل لنيل رضاهم إلا باتباع دينهم اتباعًا تامًّا؛ قال -تعالى-: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (البقرة: 120).
وبيَّن -سبحانه وتعالى- أن المحبة والولاء لا يكونان إلا لأهل الإيمان فقال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 71).
خطورة البدع العقائدية وأثرها في خذلان الأمة:
وكما أنه لا يُنتظر نصر حقيقي من كافر مكذب، فلا ينتصر الدين كذلك على يد مبتدع ضال؛ فمن اعتقد أنَّ مع الله من ينفع ويضر، أو يعطي ويمنع، أو أنَّ غير الله -سبحانه وتعالى- يملك ويحكم، أو صَرَف شيئًا من العبادة لغيره -سبحانه وتعالى- فطلب المدد أو الولد أو الشفاء من غير الله، فلا تتوقع منه نصرة للدين.
وإنَّ من أعظم البدع التي ابتليت بها الأمة الإسلامية منذ عصرها الأول: "بدعة الرفض"، والتي تجرأ أصحابها على تكفير الصحابة -رضي الله عنهم-، وسب أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن-، ورميهن بالباطل؛ فلم يرفع الرافضة يومًا رأسًا بنصرة الإسلام، بل كانوا طوال تاريخهم خنجرًا مسمومًا في خاصرة أهل السنة، يتحالفون مع اليهود والنصارى ضد أهل الإيمان!
وحتى مؤخرًا، حين اختلفوا مع الغرب على مساحات النفوذ، كان نصيب بلداننا السنية النسبة الأكبر من القصف والتفجير؛ فكيف يفلح مَن سبَّ الصحابة -رضي الله عنهم- وأمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) (متفق عليه)؟
معالم العقيدة الصحيحة التي يتحقق بها النصر:
لا ينصر الدين إلا من اعتقد العقيدة الصحيحة؛ فآمن بالله ربًّا خالقًا، ورازقًا، ومالكًا لكل شيء، وآمن بالله إلهًا مستحقًّا للعبادة وحده، مستجيبًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي لم يقم منه: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)، قالت عائشة -رضي الله عنها-: "فلولا ذاك أُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجدًا" (متفق عليه). وكذلك من أثبت لله أسماءه وصفاته من غير تأويل، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل، عملًا بقوله -سبحانه-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: 11).
أحكام وشعائر الأضحية وآداب العيد:
الأضحية شعيرة من شعائر الله -سبحانه وتعالى- وهي سنة مؤكدة، وهي إحياء لسنة إبراهيم -عليه السلام-، وهي توسعة على الأهل والفقراء، وهي قربة إلى الله -سبحانه وتعالى-؛ قال -تعالى-: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (الحج: 37). وتكون الأضحية من الإبل والبقر والغنم، وتُذبح بعد صلاة العيد وحتى قبل غروب شمس آخر أيام التشريق.
وللمضحي أن يثلثها بين أكله وهديته وصدقته، وله غير ذلك، وعليه أن ينفق مما يحب فلا تكون عوراء، ولا مريضة مرضًا ظاهرًا، ولا هزيلة، ولا عرجاء. ولا يجوز بيع شيء من لحمها أو جلدها، أو إعطاء الجزار أجرته بجزء منها؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (ضَحَّى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ) (متفق عليه).
فوسِّعوا على الأهل والجيران والأقارب بحسب الطاقة والسعة: فإنَّ تلك الأيام كما روى عقبة بن عامر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
تقبَّل الله منا ومنكم سائر العمل، وأعاد عيد الأضحى علينا وعليكم بالخير واليُمن، والفرح والسرور.