الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 13 أبريل 2026 - 25 شوال 1447هـ

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (252) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (2)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوة يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).

في الآيات فوائد:

الفائدة الأولى: وجوبُ الدَّعوةِ إلى الله -عز وجل- والأمرُ بالمعروفِ، وأعظمُهُ: التوحيدُ، والنهيُ عَنِ المنكرِ، وأعظمُهُ: الشركُ.

الفائدة الثانية: أنه يبدأ في الدعوة الأقربين قيامًا بحق الله سبحانه ثم قيامًا بحق القرابة، فالنصيحة للآباء والأمهات والإخوة والأخوات والعمات والأعمام، والأخوال والخالات، والأبناء والبنات، مقدمة على الآخرين؛ لأن النصيحة أعظم ما يقدِّمه العبد لقرابته في نجاتهم من سخط الله -عز وجل- وعقابه؛ قال الله -تعالى- لنبيه محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: 214)، وفي التلاوة المنسوخة: "وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ".

وفي الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أنزل الله عليه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، قام على الصفا فقال: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، ‌اشْتَرُوا ‌أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) (متفق عليه). وفي الرواية الأخرى: (أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) (رواه مسلم).

الفائدة الثالثة: الآية والحديث السابق دليل على أن القرابة للرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- ولو كان من أقرب الناس إليهم لا تنفع مَن لم يؤمن منهم ويعمل الصالحات، فإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لم يملك لأبيه من الله شيئًا إذ كفر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- صرَّح لفاطمة ابنته -رضي الله عنها-، ولعمه العباس ولعمته صفية -رضي الله عنهما- أنه لا يملك لهما من الله شيئًا، وفي هذا رَدٌّ على كل الذين يغالون في أهل بيته -عليه الصلاة والسلام- ممن لم يؤمنوا؛ حتى غلوا في عمه أبي لهب! وكره بعضهم أن يقرأ في الصلاة أو حتى في المصحف سورة المسد؛ لأجل ذِكْر عمه أبي لهب؛ بزعم أن هذا يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-!

ونعوذ بالله من الضلال؛ فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تلاها وقرأها، وما من سورة من سور المفصل إلا قرأها -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، ومع ذلك يتجرؤون على ترك سورة عظيمة من القرآن؛ لأجل زعمهم أن هذا يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وملعون مَن آذى النبي -صلى الله عليه وسلم-، نعوذ بالله من الضلال، ولوازم هذا القول الكفر الصريح.

وكذا غَلَوْا في عمه أبي طالب وزعموا وفاته وجده عبد المطلب؛ فضلًا عن أبي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمه أنهم ماتوا على الإيمان، بزعمهم أن الإيمان هو المعرفة -وقد كانت عند أبي طالب المعرفة-، رغم الآيات التي نزلت في عمه أبي لهب بالتصريح بأنه سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد. وكذلك في عمه أبي طالب رغم تصديقه الباطن بنبوته -صلى الله عليه وسلم-، وإقراره بلسانه أن دين محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- خير أديان البرية دينًا، ومع ذلك قال الله -تعالى-: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 113- 114). وأنزل الله -عز وجل- في أبي طالب: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56).

الفائدة الرابعة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (مَا تَعْبُدُونَ): استفهام إنكار في حقيقته وإن أجاب قومه عليه بحقيقة الأمر وأنهم يعبدون أصنامًا فَيَظَلُّوا لها عاكفين أي: ملازمين مقيمين، ماكثين خدمًا لها -فيما يظنون-. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الصلاة لأصنامهم يعني عاكفين أي: مصلين، وهذا أعظم الجهل وأعظم الظلم أن يعبد الإنسان ويخضع لمَن لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئًا.

الفائدة الخامسة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ): تضمَّنَتِ الآيةُ الحُجَّةَ التي ضمنها إبراهيم سؤاله لهم؛ وهي: أنها لا تسمع دعاءهم، ولا تملك نفعهم ولا ضرهم، وهذه صفة كل من يعبد من دون الله من الشمس والقمر والكواكب، والأحجار والأشجار، والنُّصب، وكذلك القبور وأصحابها الأموات، فيهم نفس الصفات؛ لا يسمعون دعاء مَن يدعوهم، ولا ينفعونه ولا يضرونه؛ قال الله -تعالى-: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ . وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس: 106- 107).

والعجب: أن المشركين من قوم إبراهيم يقرون بأنها لا تسمع، ولا تنفع ولا تضر؛ كما دَلَّ على ذلك قولهم: (بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)؛ فهذا الإضراب معناه: أنها لا تسمعنا إذا دعونا، ولا تنفعنا ولا تضرنا، ولكن وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. وقال الله -تعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر: 13- 14)؛ فدَلَّ على أنهم كانوا يقرون لله -عز وجل- بالربوبية وتدبير الأمر، ومِلْك النفع والضر.

ثم صار الحال بالمشركين المنتسبين إلى الإسلام اليوم أن صاروا شَرًّا من هؤلاء؛ حيث ينسبون إلى الأولياء -بل وغير الأولياء- ممَّن ينقلون عنهم: تصريح هؤلاء بوحدة الوجود، والقول بمساواة الأديان، وأن:

‌الـربٌ ‌عـبـدٌ والـعــبـد ربٌ            يا ‌ليت ‌شعري ‌من ‌المكلـف؟

إن قـلــت عـبـدٌ فـذاك ربٌ            أو قـلـت ربٌ أنَّـي يــكـلـف؟

وأن أحد هؤلاء المزعوم ولايته بالباطل، كان يقول على المنبر: "أشهد أن لا إله إلا لكم إلا إبليس صلى الله عليه وسلم! فقال الناس: كَفَر كَفر؛ فَسَلَّ السيف ونزل مَن على المنبر. ففرَّ الناس من المسجد، وفعل ذلك في ثلاثين جمعة في نفس اليوم، فأي خرافة شَرٌّ من هذا؟!

فهم ينسِبون إليهم الضر والنفع، والمِلْك، والإحياء والإماتة، وإجابة الدعوات والطلبات! بل نسبوا لهم الخلق والرزق والحكم الباطن للكون، وعلى كل ذرات وجوده! بل قال بعض الغلاة من الشيعة:
إن عليًّا -رضي الله عنه- جاعل الأرض مِهَادًا وبانٍ فوقكم سبعًا شدادًا!"، وهذا كفر صريح.

وزعم بعضهم: أن السيدة زينب -رضي الله عنها- هي رئيسة الديوان والحكومة الباطنة؛ ليروِّجوا عند الجهلاء دعاءهم من دون الله، وطلب حاجاتهم منهم، فصاروا شَرًّا من المشركين القدماء؛ إذ أشرك المعاصرون في الربوبية والألوهية، ولولا الجهل عند أهل الجهل منهم، لكان كفرهم بأعيانهم ضروريًّا.

الفائدة السادسة: صرَّح المشركون بأن سبب شركهم هو التقليد للآباء والأسلاف، وكذا كان شرك مشركي قريش، بل وحجتهم الأساسية في مواجهة براهين التوحيد التي جاء بها الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ وفي قصة موت أبي طالب قال له أبو جهل وعبد الله بن أمية حين قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ)، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. (متفق عليه). وقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، ‌لَأَقْرَرْتُ ‌بِهَا ‌عَيْنَكَ) (رواه مسلم).

فدَلَّ على أن التقليد هو أعظم شبهة عند القوم؛ ولذا لا ينتشر الشرك إلا مع انتشار التقليد وتعظيم الشيوخ حتى يقبل قولهم بلا حجة؛ أحيانًا بزعم الكشف والإلهام، وأحيانًا بزعم ملاقاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة والنوم وإخبارهم عنه بذلك، بل وبعضهم ربما ادَّعى رؤية الله -عز وجل!- تعالى عن أقوالهم علوًّا كبيرًا.

فالتقليد من أخطر الأمور التي لا بد من محاربتها، ولا بد من نشر اتباع الدليل، ولم يأمر أحدٌ من العلماء بهذا التقليد الذي يحصل في العصور المتأخرة بإلغاء الأدلة من عقول طلبة العلم، وترسيخ التقليد المطلق في نفوسهم، فصار يسهل بعد ذلك أن يتلقوا أنواع الشرك والكفر من الشيوخ، وهم معظِّمون لهم!

وللحديث بقية -إن شاء الله-.