كتبه/ محمد صادق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ماذا يعلّمنا الشعور بالمسئولية تجاه الدِّين؟
أولًا: الثمار التربوية (بناء عقلية المبادرة):
- تربية النفس على المسؤولية لا الاتكالية: المؤمن لا ينتظر من يأمره، بل يبادر، ويتحمّل، ويُربّي غيره على أن يكون داعيًا لا متفرجًا.
- تشكيل عقلية المبادرة لا عقلية الأعذار: فصاحب المسؤولية لا يقول: "أنا مشغول"، بل يقول: "ما دوري؟".
- غرس الإحساس بالأمانة أمام الله: مَن يرى الدعوة أمانة لا منصبًا، سيُحسن أداءها، ولو لم يكن على منبر.
ثانيًا: المنافع النفسية (اكتشاف المعنى الوجودي): كيف يُحيي هذا الشعور روح الداعية؟
- يعزز الهوية الإيمانية الداخلية: فمَن يشعر أنه مسؤول أمام الله، يعيش بهوية العبد المكلّف، لا المستهلك العابر.
- يمنح المعنى الوجودي للحياة: فلا يعيش الإنسان فارغاً، بل يشعر أن لحياته وزنًا، وتأثيرًا، ورسالة.
- يحمي من الفراغ والاكتئاب والشتات النفسي: لأن "الرسالة" تصنع في القلب توازناً يُخفف ضغوط الدنيا، ويُشحن بالمعنى.
ثالثًا: الآثار الاجتماعية (نشر عدوى الهمّة) أثر هذا الشعور على محيط الداعية:
- يُلهِم من حوله بالقدوة الصامتة: فحين يرون فيه جدية، وهمة، وصدقاً في النصح، يتحرك فيهم الإيمان، دون كثير كلام.
- ينشر عدوى الشعور بالمسؤولية: لأن الهمّة معدية، فإذا كان الداعية يحمل همّ الناس، بدأ الناس يحلمون معه، ويتحرّكون معه.
- يساعد على بناء مجتمع يُشارك في الإصلاح لا يكتفي بالشكوى: فالمجتمع الذي يراه الناس فيه نماذج مسؤولة، سيتحوّل من اللوم السلبي إلى الحراك الإيجابي.
رابعًا: ثمرات قيادية وتنظيمية:
- تحويل المتفرّج إلى شريك: المسؤولية معدية؛ اسأل من حولك سؤال الدور: "إيه اللي نقدر نعمله مع بعض هذا الأسبوع؟".
- ترسيخ "الولاء للمقام" لا للأسماء: العمل يبقى إذا تغيّرت الوجوه؛ المرجعية قيم لا أشخاص.
- ثقافة الإنجاز الهادئ: إنجازات صغيرة متتابعة خير من وعود كبيرة مؤجّلة.
المسؤولية، لا تُنتظر، بل تُحمل: في زمن التراخي، لا ينهض للدعوة إلا من شعر أنها عليه فرض، لا فضل. وفي زمن كثرة الملهيات، لا يثبت إلا من شعر أن الناس ينتظرون منه كلمة حق، لا منشور إعجاب. وقد يوسوس الشيطان فيقول: "أنا لست عالمًا"، والجواب: هل دعوت إلى معروف؟ هل نهيت عن منكر؟ هل نصحت من حولك؟ وقد تقول النفس: "ليس لي تأثير كبير".
والجواب: من قال إن التأثير يُقاس بالعدد؟ أليس الهُدى إلى واحد خيرٌ من الدنيا؟ فالشعور بالمسؤولية لا يتطلب قدرات خارقة، بل قلبًا حيًّا لا يرضى أن يرى الباطل سائدًا ويسكت، ولا يُحب أن يُسأل غدًا: "لِمَ سكتّ؟" وهو قادر أن يتكلم.
الدعوة لا تحتاج صوتًا عاليًا، بل ضميرًا حيًّا، وكل من شعر أن عليه واجبًا، بدأ، ولو بخطوة، ومن لم يشعر، ظلّ يتفرّج، حتى مرت الدعوة من أمامه، وتركته بلا أثر.
إضاءة ختامية: الشعور بالمسؤولية هو الشرارة التي تُشعل الهمّة، وهو الوقود الذي يُبقي القلب يقظاً، وهو السُّلَّم الذي يصعد بك من "الحياد" إلى "البلاغ".
ومن وُهب هذا الشعور، لم يُنتظر منه دعوة فقط، بل صارت الدعوة جزءًا من كيانه.