الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 13 أبريل 2026 - 25 شوال 1447هـ

التلاعب بالألفاظ باب إلحاد وعنوان زندقة

كتبه/ أشرف الشريف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن من أعظم أسباب الانحراف العقدي وأخطر أبوابه عبر التاريخ: سلخ الألفاظ عن سياقاتها المحكمة، ثم التلاعب بدلالاتها اللغوية المجتزأة، لتكون مطية للأهواء، وذريعة لرد النصوص أو تحريف دلالتها، ومن ثَمَّ؛ تُساق النصوص الشرعية قسرًا لخدمة تصوراتٍ سابقة، لا لتكون حاكمةً عليها، وقد ذمّ الله هذا المسلك بقوله: (وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: 119).

واللغة العربية -التي نزل بها الوحي- لا تُؤخذ مفرداتها مبتورةً، بل تُفهم بدلالة السياق اللغوي والشرعي والتاريخي معًا، كما قال -تعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) .

وهذا ما قرّره أئمة اللسان والبيان والشرع -رحمهم الله-؛ فالكلام محمول بعضه على بعض، ولا يُفهم إلا بجملته. متى جُردت الألفاظ من سياقاتها الحاكمة؛ انقلبت من أدوات بيان إلى وسائل تلبيس، وصار النص تابعًا للفكرة لا حاكمًا عليها، وذلك عين مسلك أهل الزيغ قديمًا وحديثًا.

وقد ظهر هذا المسلك أول ما ظهر عند السوفسطائية من فلاسفة اليونان، الذين أسقطوا عن الكلمة حقيقة معناها، وجعلوا اللفظ لعبة ذهنية قابلة لكل وجه، جعلوا اللفظ تابعًا للذهن لا كاشفًا عن الحقيقة، فكان مذهبهم هدمًا للمعرفة من أصلها؛ لأنه بذلك لا تثبت دلالة للكلمة ولا تستقر على معنى.

أصل الانحراف في المدارس الكلامية:

وهذا الأصل هو الذي تسرب -بصورة أو بأخرى- إلى مدارس كلامية وفلسفية لاحقة في الفكر الإسلامي، حين قدّم المتكلمون القوانين العقلية المصطنعة على دلالة النص واللغة والسياق؛ فالمتكلمون كالمعتزلة، قد بنوا أصولهم على تقديم العقل المجرد على النقل، ثم لجؤوا إلى تحريف دلالة الألفاظ لتوافق تلك الأصول؛ فأنكروا صفة الكلام عن الله -تعالى-، وقالوا بخلق القرآن، وحرَّفوا معانيه، فقالوا في قوله -تعالى-: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء: 164)، إنه من الكَلْم؛ أي: الجرح، قالوا: ويكون المعنى: "وجرح الله موسى بأظافر المحن ومخالب الفتن!".

والذي ألجأهم إلى حمل (كَلَّمَ) بالتشديد على (كَلْم) المخففة الدالة على الجرح هو فرارهم من إثبات صفة الكلام لله، فوقعوا في التحريف.

قال ابن قتيبة (ت: 276 هـ) عنهم في كتابه (تأويل مختلف الحديث): "وَفَسَّرُوا الْقُرْآنَ بِأَعْجَبِ تَفْسِيرٍ، يُرِيدُونَ أَنْ يَرُدُّوهُ إِلَى مَذَاهِبِهِمْ، وَيَحْمِلُوا التَّأْوِيلَ عَلَى نِحَلِهِمْ".

وجرَّدوا أسماء الله عن معانيها، فجعلوها أعلامًا جامدة لا معنى لها ولا دلالات لغوية، مع أنها دالة بالوضع اللغوي على صفات ثابتة له؛ فقالوا: عالم بلا علم، قادر بلا قدرة، وحي بلا حياة.

وتبعهم جماعة متكلمة أثبتوا بعض الصفات إلا أنهم أثاروا الاشتباه في دلالة الصفات الخبرية وألفاظها من جهة لغوية محتملة دون التفات إلى السياق الذي أحكمها، ثم حمّلوها ما يوافق قواعدهم العقلية؛ ففسّروا الاستواء بالاستيلاء، واليد بالقدرة، مع أن هذا التأويل لا يدل عليه لسان العرب عند الإطلاق، ولا يشهد له السياق.

قال الإمام مالك -رحمه الله- في الاستواء: "الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ".

فجعل -رحمه الله- السياق واللغة حاكمين، ومنع من فتح باب الاحتمالات الذهنية التي لا يدل عليها اللفظ ولا المقام.

ذروة الانحراف عند الحلولية والحداثيين:

يبلغ هذا الانحراف ذروته البشعة عند الحلولية والاتحادية من متصوفة الفلاسفة؛ وعلى رأسهم: محيي الدين بن عربي؛ الذي فسّر العذاب بالعذوبة، وجعل عذاب أهل النار لونًا من اللذة والنعيم، مستندًا إلى اشتقاق لغوي متكلّف، ضاربًا بالسياق القرآني الذي فرَّق تفريقًا قاطعًا بين العذاب والنعيم عرض الحائط، وقد ردّ العلماء على المسلك البشع المنحرف ردودًا شديدة، وبيّنوا أن تحريفهم للألفاظ هو الجسر الذي عبروا منه إلى إبطال معاني الجنة والنار، والأمر والنهي، والثواب والعقاب.

وهذا المسلك نفسه هو الذي أعاد إنتاجه زنادقة العصر من الشحروريين والحداثيين؛ حيث يرفعون شعار "القراءة المعاصرة"، وهم في الحقيقة يفككون النص عن لغته وسياقه وتاريخه، ثم يعيدون تركيبه وفق تصورات غربية دخيلة. فمحمد شحرور -مثلًا- جعل الصلاة مجرد "صلة" نفسية، والصيام "إمساكًا أخلاقيًّا"، والحدود "حدودًا معرفية"، مع أن هذه المعاني لا تشهد لها لغة العرب، ولا استعمال القرآن، ولا فهم الصحابة -رضي الله عنهم-، ولا عمل الأمة عبر القرون، وقد ضلّ من ضلّ بتركهم النظر في مقاصد الشريعة وسياقها..

فبان بذلك أن اللعب بالألفاظ ليس خطأً لغويًّا فحسب، بل هو أصل كل انحراف عقدي، وأن هذا المسلك ليس تجديدًا بل هو تحريف، وليس قراءةً بل هو إعادة كتابة بالإفك والزور، وليس اجتهادًا، بل هو هوى مقنع بلغة التأويل.

إن حفظ الدين إنما يكون بحفظ دلالة النص في سياقه، وردّ المتشابه إلى المحكم، وفهم الوحي كما فهمه السلف، لا كما تشتهيه العقول المضطربة.



مواد ذات صلة