كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ورد لفظ (القلب) في القرآن الكريم بصيغة المفرد (القلب)، وبصيغة الجمع (القلوب) في أكثر من مئة وثلاثين مرَّةً (132 مرة)، وذلك في ثلاث وأربعين سورةً؛ حيث ورد بصيغة الإفراد في (19) مرَّةً، منها: قول الله -تعالى-: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق: 37)، بينما ورد بصيغة الجمع في بقية المواضع، كما في قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) (الأنفال: 70)، إلَّا في موضع واحد في القرآن ورد فيه بصيغة المثنى، وذلك في قوله -تعالى-: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (الأحزاب: 4).
- وقيل سُمِّي قلب الإنسان به لكثرة تقلُّبه. وتقليب القلوب والبصائر: صَرْفُها من رأي إلى رأي؛ قال -تعالى-: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام: 110). (راجع: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني -رحمه الله- مكتبة فياض – المنصورة – ط. 1430 هجريًّا - 2009 م، ص 521).
- وجاء لفظ القلب موصوفًا بصفة المدح في عدَّة مواضع؛ منها: قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60)، وقوله -تعالى-: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) (ق: 33).
- بينما جاء موصوفًا بصفة الذم في مواضع أخرى، منها: قوله -تعالى-: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (النحل: 22)، وقوله -تعالى-: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: 35).
ويُطلَق القلب في اللغة ويُراد به أمران:
- أمر مادي: وهو العضو الرئيس في الجهاز الدوري في الجانب الأيسر من الصدر، المسؤول عن ضخ الدم المحمَّل بالأكسجين إلى كل الجسم.
- أمر معنوي: يتعلق بالإدراك والمعرفة والتعقُّل والبصيرة.
- فالعقل في اللغة والشرع أمر معنوي بخلاف ما يظنُّه الفلاسفة وغيرهم من أن العقل أمر مادي محسوس. ومحل العقل لغةً القلب، كما أن النية محلُّها القلب؛ قال -تعالى-: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46)، وقال -تعالى-: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) (ق: 37)؛ أي: له عقل، عُبِّرَ عنه بالقلب؛ لأن القلب محل العقل.
- ولعلَّ لهذا المعنى كان إضافة القلوب إلى الملائكة، قال -تعالى-: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (سبأ: 23)، فالآية تقرِّر حال الملائكة من الخوف والرهبة والمهابة والتعظيم لله -تعالى- ما تذهب معه عقولهم، فعند البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا) لِلَّذِي قَالَ: (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (رواه البخاري). ولعلَّ لهذا أيضًا جاء إضافة القلوب إلى كفرة الجن، ككفرة الإنس الذين تجهل عقولهم حقائق الأمور وتجهلها؛ قال -تعالى-: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا) (الأعراف: 179). والله -تعالى- أعلم.
أهمية القلب ومكانته:
القلب أشرف أعضاء البدن ومُهِمُّها، به قوام الحياة، وجميع أعضاء البدن وجوارحه هي من جنود القلب؛ لذا فأمر القلب خطير وأثره عظيم. دلَّت على ذلك أدلة الكتاب والسنة من أوجه عديدة؛ منها:
1- القلب أصل الاستقامة:
فعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: (لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ) (رواه أحمد عن أنس بن مالك، وحسنه الألباني)، فالقلب كالملك وأعضاء البدن تَبَع له؛ هو يأمر وينهى، وهي تستجيب وتطيع، فباستقامته تستقيم. وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) (متفق عليه).
فمتى رَسَخَ الإيمان في القلب صَلُحت حركاته وأفعاله وتمكَّنَت منه المحبة لله -تعالى- والخشية والتعظيم والتوكل والإنابة، وكان ذلك إيذانًا بانقياد الجوارح إلى أعمال الطاعة الظاهرة. فإذا فَسَد القلب وتمكَّنَت منه الأهواء وتعلَّقَ بغير الله -تعالى- كان فساد حركات الجوارح ومخالفتها لأوامره -تعالى- ونواهيه.
وفي الإشارة إلى أن القلب هو المخاطب والمقصود بالأوامر والنواهي، وهو موضع الاختيار والتمييز، والأعضاء تابعة له، إذ طاعة الجوارح يسبقها امتثال القلب، يقول -تعالى-: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) (آل عمران: 154).
2- الإيمان هو تصديق القلب:
فإيمان العبد وتصديقه وإخلاصه هو من عمل القلب، وهذا الإيمان القلبي والإخلاص شرط لقبول أعمال العبد، وإلَّا فلا قبول لها؛ قال -تعالى-: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (الإسراء: 19)، وقال -تعالى-: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) (الأنبياء: 94).
والقلب منبع الإيمان، فهو محلُّه ومكانه، قال -تعالى-: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ) (المجادلة: 22)، وقال -تعالى-: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (النحل: 106)، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) (المائدة: 41)، وقال -تعالى-: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: 14).
ولهذا إذا نطق اللسان بغير ما في القلب كان العبد منافقًا غير صادق، كما قال -تعالى-: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) (آل عمران: 167)، وقال -تعالى-: (الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) (المائدة: 41).
3- إن القلب محل التقوى:
أصل التقوى يكمن في القلب؛ لذا فالتقوى تُضاف إلى القلوب، قال -تعالى-: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبُهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (الحجرات: 3).
4- القلب محل الهداية:
قال -تعالى-: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (التغابن: 11)، فهداية العبد هداية قلبه.
5- القلب محل الطهر:
قال -تعالى-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) (المائدة: 41)، وقال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابِ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) (الأحزاب: 53).
6- الكفر والنفاق والزيغ والإثم محلُّهم القلب:
قال -تعالى-: (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليهم غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: 106)، وقال -تعالى-: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) (التوبة: 64)، وقال -تعالى-: (فأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (التوبة: 77)، وقال -تعالى-: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبُهُمْ) (الصف: 5)، وقال -تعالى-: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة: 283).
7- القلب محل الثبات:
قال -تعالى-: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود: 120). والفؤاد: القلب.
8- القلب محل العقل والفقه:
قال -تعالى-: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46)، وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا) (الأعراف: 179).
9- القلب محل انشراح النفس:
قال -تعالى-: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (الشرح: 1)، وقال -تعالى-: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ) (الأنعام: 125). والمراد بالصدر القلب.
10- القلب محل الطمأنينة:
قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ) (الرعد: 28).
11- القلب محل الضيق:
قال -تعالى-: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) (الحجر: 97). الصدر: القلب.
12- القلب محل الخوف والرعب والرهبة:
قال -تعالى-: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ) (آل عمران: 151)، وقال -تعالى-: (لأَنْتُمْ أَشدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) (الحشر: 13). والقلوب تكاد تقفز من الضلوع حال الرعب والفزع وشدة الخوف، قال -تعالى-: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (الأحزاب: 10)، وقال -تعالى-: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (غافر: 18).
13- القلب محل الحقد والغل:
قال -تعالى-: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) (الحشر: 10). وقال -تعالى-: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ) (الأعراف: 43).
14- القلب محل الحسرة والتندُّم:
قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (آل عمران: 156).
15- القلب محل وسوسة الشيطان:
قال -تعالى-: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) (الناس: 5).
16- القلب محل المَيْل والهوى:
قال -تعالى-: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) (التحريم: 4)، ومعنى صغت: مالت عن الحق. وقال -تعالى-: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) (الأنعام: 113). تصغى: تميل. وقال -تعالى-: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لعلهم يشكرون) (إبراهيم: 37). وقال -تعالى- عن اليهود: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) (البقرة: 93). والمراد حبُّهم لعبادةِ العجل وتمكُّنُه من قلوبهم.
أنواع القلوب وأحوالها:
أولًا: القلوب الصحيحة:
هي القلوب التي فيها الاستقامة والامتثال والخضوع لله -تعالى-، وهي القلوب التي تنال النجاة يوم القيامة، ومن صفاتها وعلاماتها إنها:
1- قلوب سليمة:
قال -تعالى-: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 88-89)، وقال -تعالى-: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الصافات: 84).
2- قلوب خاشعة:
قال -تعالى-: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (الحديد: 16).
3- قلوب وجلة تنتفع بآيات الله متوكلة عليه:
قال -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: 2).
4- قلوب مخبتة:
قال -تعالى-: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الحج: 54). ومعنى (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) أي: تلين وتخشع.
5- قلوب منيبة إلى الله -تعالى-:
قال -تعالى-: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) (ق: 33).
6- قلوب مطمئنة:
قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ) (الرعد: 28)، وقال -تعالى-: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (النحل: 106)، وقال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة: 260)، وقال -تعالى-: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة: 113).
7- قلوب ربط الله عليها وثبَّتَها:
قال -تعالى-: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) (الكهف: 14)، وقال -تعالى-: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص: 10)، وقال -تعالى-: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) (الأنفال: 11).
8- قلوب لينة:
فهي قلوب تلين بذكر الله -تعالى- وسماع آياته، قال -تعالى-: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر: 23).
ثانيًا: القلوب الميتة:
هي القلوب التي لا حياة فيها، فهي قلوب قاسية، لا تعرف ربها وخالقها، تنسى ذكر الله -تعالى- وتهجرُه، بعيدة كل البعد عن الامتثال لأوامر الله، إن أعطت أعطت لهواها، وإن منعت منعت لهواها، وإن أحبَّت أحبَّت لهواها، وإن أبغضت أبغضت لهواها، تداوم على انتهاك المحارم، لا تبالي بغضب الله -تعالى- وسخطه عليها، فهي محرومة من النجاة يوم القيامة. ومن علاماتها إنها:
1- قلوب قاسية:
قال -تعالى-: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبُهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) (المائدة: 13)، وقال -تعالى-: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 43)، وقال -تعالى-: (فوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الزمر: 22).
2- قلوب متكبرة:
قال -تعالى-: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كِبْرٌ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: 35).
3- قلوب مرتابة:
قال -تعالى-: (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 110)، وقال -تعالى-: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) (التوبة: 45).
4- قلوب منكرة:
قال -تعالى-: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (النحل: 22).
5- قلوب زائغة:
قال -تعالى-: (فأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فيتبعون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ . رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران: 7-8).
6- قلوب عمياء لا بصيرة لها:
قال -تعالى-: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46).
7- قلوب لاهية غافلة:
قال -تعالى-: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) (الأنبياء:1-3)، وقال -تعالى-: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: 28).
8- قلوبهم مكنونة محرومة من الفقه:
والكِنَان: الغطاء الذي يُكَنُّ فيه الشيء، والجمع: أكِنَّة، نحو: غطاء وأغطية، قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ وَحْدَهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) (الإسراء: 46)، وقال -تعالى-: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) (الكهف: 57)، وقال -تعالى-: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) (الأنعام: 25)، وقوله -تعالى-: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ) (فصلت: 5) قيل في غطاء عن تفهُّم ما توردُه علينا.
9- قلوب مطبوع عليها:
قال -تعالى-: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (محمد: 16)، وقال -تعالى-: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) (التوبة: 87)، وقال -تعالى-: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كِبْرٌ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: 35)، وقال -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) (المنافقون: 3).
10- قلوب مختوم عليها مقفلة:
قال -تعالى-: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة: 7). وقال -تعالى-: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية: 23)، وقال -تعالى-: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 24).
11- قلوب تشمئز من الحق ومن ذكر الله -تعالى-:
قال -تعالى-: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (الزمر: 45).
ثالثًا: القلوب المريضة:
قلوب فيها حياة ولكن بها علة أو علل، فيها إيمان بالله -تعالى- يحفظ لها حياتها، وفيها من محبة الشهوات أو التأثر بالشبهات ما ينتقص من إيمانها. هي بين داعيينِ: داع إلى الله -تعالى- والدار الآخرة، وداع إلى الدنيا العاجلة، فهي إمَّا إلى السلامة أقرب وإمَّا إلى العطب أدنى، لا هي سليمة صحيحة كاملة السلامة، ولا هي ميتة معرضة عن الحق كل الإعراض، تستجيب للداعي إلى الله -تعالى- واليوم الآخرة تارة، وتميل إلى الشهوات تارة، وتتأثر بالشبهات، وتتقلب بين العمل للآخرة والتعلق بحطام الدنيا، فتقترب من الصلاح تارة، وتدنو من الفساد تارة، في انتظار الخواتيم. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من القلوب في العديد من الآيات، فمن ذلك:
- قوله -تعالى-: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة: 10)، وقول الله -تعالى-: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كافِرُونَ) (التوبة: 125).
- وقوله -تعالى-: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 49).
- وقوله -تعالى-: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: 52).
- وقوله -تعالى-: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (الأحزاب: 60).
- وقوله -تعالى-: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) (الأحزاب: 12).
- وقال -تعالى-: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) (محمد: 20).
وقد جَمَع القرآن الكريم هذه الأنواع الثلاثة من القلوب في موضع واحد في سورة الحج، وذلك في قوله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الحج: 52-54).
فبيَّن القرآن الكريم حال هذه القلوب الثلاثة: قلبان مفتونان، وقلب ناجٍ؛ فالمفتونان: القلب القاسي والقلب الذي فيه مرض، والقلب الناجي: القانت المؤمن المخبت إلى ربه.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.