كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -سبحانه وتعالى-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود:112)، ولما سُئِل النبي -عليه الصلاة والسلام- عن قولٍ في الإسلام، لا يُسأل أحدٌ عنه بعده، قال: (قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ) (رواه مسلم).
ما أسرع مرور العمر!
ما أسرع مرور الزمان!
تَقارب الزمانُ كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فصار الشهر يمضي كأنه جمعة أو نحو ذلك! نسأل الله العافية.
شعور الإنسان بمرور الزمن مع قرب القيامة يتسارع حتى تمر الشهور الفاضلة، والأيام المباركة، والليالي المضاعفة الأجر، أسرع ما يكون، هكذا مضى شهر رمضان!
حاجتنا إلى الاستقامة على ما أمر الله -سبحانه وتعالى- حاجة ضرورية، قد علمنا كيف تكون الحياة في ظل طاعة الله -عز وجل-، ليست الحياة فقط في داخل المسجد في ظل الطاعة، بل لا بد أن تكون في الحياة كلها، وفي الأوقات كلها.
إن القلب الإنساني قد فُطِر على أنه يميل إلى الله -عز وجل-، ويفرح بعبادته، ويحبه -سبحانه وتعالى- حبًّا عظيمًا، لا يستثقِل له حاجة، ولا يستقر ولا يحصل له مطلوب إلا بالتوجه إلى الله -سبحانه وتعالى-؛ ولذلك كان القرب مِن الله -عز وجل- هو سبب سعادة الإنسان مهما كانت أحوال الدنيا معه، والبعد عن الله -عز وجل- سبب الشقاء مهما كانت سعة الدنيا معه؛ لو أن الجنة بحذافيرها -وما كانت لتكون- لرجل دون القرب مِن الله -سبحانه وتعالى- لما كان سعيدًا! لو كان له جنات تجري مِن تحتها الأنهار، عنده فيها مِن كل الثمرات، وعنده مِن الأموال ما عنده، ومِن النساء ما عنده، ومِن البنين والأهل ما عنده، لكنه ليس قريبًا مِن الله؛ لابتغى عن كل ذلك حِوَلاً!
وإنما كانت الجنة جنة، وسعادة أبدية؛ لأنها عنوان القرب مِن الله -عز وجل-؛ لأن فيها القرب مِن الله -سبحانه وتعالى- للأرواح والأبدان معًا، فإنه كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ) (رواه البخاري)، وقال عن الوسيلة: (إِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ) (رواه مسلم). والوسيلة بمعنى "القُرْبَى"، فهي أقرب المنازل إلى الله -عز وجل-.
وهذا القرب مِن الله -سبحانه وتعالى-، والرضوان والرحمة، ورؤية الله -عز وجل-، وسماع كلامه؛ هو سبب سعادة أهل الجنة، وسبب استمتاعهم بما فيها مِن النعيم؛ وإلا فإن النعيم المادي، "نعيم البدن وحده" لا يكفي في حصول السعادة، قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:72).
(وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ): فرضوان الله -عز وجل- على أهل الجنة أكبر مِن نعيمهم؛ ولذا ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن الله يقول إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ: (يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) (متفق عليه).
فالرضا الذي لا سخط بعده هو سعادة الإنسان الحقيقية الأبدية المستمرة، ونصيبه في الدنيا مِن السعادة بقدر ما يحصل على رضا الله، وبقدر اتباعه لرضوان الله: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (آل عمران:162)، فمَن اتبع ما يرضي الله -عز وجل-؛ نال مِن رضاه بقدر طاعته، واقترب مِن الله -عز وجل- بروحه في هذه الأرض، فإن الإنسان إنما يقترب في الدنيا مِن الله -عز وجل- بالروح والقلب؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربِّه -عز وجل-: (إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) (متفق عليه).
فمَن تقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- بقلبه وعمله، وفعل ما يقربه إلى الله -عز وجل-؛ سعد بقدر القرب مِن الله -سبحانه وتعالى-، وبقدر ما حصل على رضوان الله -عز وجل-، وإن كانت الدنيا ليستْ في يده، وإن كان ليس معه منها شيء، وإن كانت أحواله في الفقر والمرض والبلاء ما كانت، أو في الاستضعاف وتسلـُّط الأعداء؛ بل ربما كان ذلك رحمة، كما قال -سبحانه وتعالى- عن بني إسرائيل: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء:7-8)، فأخبر الله عنهم أنه يسلِّط عدوهم الذي يدمِّر كلَّ ما علوا عليه تدميرًا (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا).
(عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ): فربما كان في البلاء رحمة وعافية إذا كان مع رضوان الله -سبحانه وتعالى-، والتقرب إليه، وإذا كان الإنسان يزداد طاعة وإيمانًا وإسلامًا عند البلاء؛ فعند ذلك يكون البلاء عافية ورحمة (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ).
وقال -تعالى-: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب:22)؛ هذا الذي قال الله فيه: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) (الأحزاب:11)، كان زلزلة وابتلاءً، فيه زيادة الإيمان والإسلام والتسليم؛ فصار نعمة مِن الله -عز وجل- ورحمة وفضلًا مِن الله، بدأها الله بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (الأحزاب:9).
نسأل الله العافية.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.