كتبه/ زين العابدين كامل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففلسطين ستعود، وأقصانا سيعود، وغزة ستظل صامدة؛ فأمتنا أمة منصورة ظاهرة إلى قيام الساعة، لا تضعف في ناحية إلا وتقوى وتنتصر في ناحية أخرى، ولا تغرب شمسها في ناحية إلا وتشرق في ناحية أخرى، فعندما ضعفت الدولة العباسية ظهر السلاجقة وحموا الأمة من الدولة البويهية الشيعية، ثم ظهر نور الدين -رحمه الله- في الأراضي الشامية، ولمَّا ضعف المسلمون في الديار المغربية والمصرية ظهر صلاح -رحمه الله- بالدولة الأيوبية.
وبعد أن استعصت على الأمويين والعباسيين القسطنطينية استسلمت للدولة العثمانية وتحققت البشارة النبوية: (لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ)، ولمَّا خرج الإسلام من الأندلس -وسيعود بإذن الله- انتشر وسط إفريقيا والجزر الإندونيسية.
فالقدس ستعود إسلامية، وتبقى إسلامية، وحولها الملاحم الكبرى قرب قيام الساعة، ومهما اغتر البعض بقوتهم الزائفة -الزائلة إن شاء الله- فلن تدوم لهم، وسوف يهدي الله الأمة وتصحو من غفوتها وتعود لنصرة دينها، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: 105).
ومهما طال الليل فلا بد من طلوع الفجر، ولكن علينا أن نقوم بواجبنا وأن نأخذ بالأسباب، وفي هذا الشأن هناك مبشرات نبوية، فعن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ) ثُمَّ سكت -صلى الله عليه وسلم-. (رواه أحمد بسند صحيح).
إذًا الخلافة ستعود بمشيئة الله -تعالى-؛ فقد أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخلافة الراشدة ثُمَّ الملك العضوض ثُمَّ الجبري، ثُمَّ ستعود الخلافة على منهاج النبوة؛ حيث تحققت هذه المراحل وبقيت المرحلة الأخيرة، وانتبه إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بأن المرحلة الأخيرة ستكون في بيت المقدس؛ ففي الحديث: (يَا ابْنَ حَوَالَةَ، إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتِ الْأَرْضَ الْمَقْدِسَةَ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَابِلُ وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ) (رواه أبو داود بسند صحيح). والمقصود هنا: خلافة النبوة.
وأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّ المسيح عيسى ابن مريم -عليه السلام- ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فيصلي خلف إمام المسلمين تكرمة الله هذه الأمة، ويصبح هو القائد للأمة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ) (رواه البخاري)، يعني: لا يقبل الجزية ولا يقبل إلَّا الإسلام، (وَيَطْلُبُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَيُدْرِكُهُ بِبَابِ لُدٍّ) (قرية موجودة إلى الآن من قرى بيت المقدس) (فَيَقْتُلُهُ، وَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ) (رواه مسلم)، مع أنَّه لو لم يقتله لمات في مكانه، لكنه -عليه السلام- يحرص على أجر هذا العمل الصالح.
وفي الحديث: (لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلًا مِنِّي -أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي- يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي) (أي يكون اسمه محمد بن عبد الله)، (يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).
وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ الترتيب يبدأ بخروج المهدي ثُمَّ بخروج الدجال ثُمَّ بنزول عيسى -عليه السلام-.
وعن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- مرفوعًا: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ، لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ"، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قال: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" (رواه أحمد عن أبي أمامة الباهلي بسند ضعيف، ولكن له شواهد حول هذا المعنى).
وستقع الملحمة التي أخبر عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ. إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) (رواه مسلم)، فالنداء والوصف سيكون بالإسلام واليهودية، وليس بالعروبة أو القومية، أو غير ذلك من الروابط؛ لأنَّ الصراع بين الحق والباطل صراع ديني، وهذا الموقف تتجلى فيه عقيدة الولاء والبراء في أبهى صورة.
وقد وقع الإفساد الأول من بني إسرائيل في الأرض فسلَّط الله عليهم بُخْتَنَصَّر، ثُمَّ وقع الإفساد الثاني لمَّا قتلوا يحيى -عليه السلام- وحاولوا قتل عيسى -عليه السلام- ورفعه الله إليه فَسُلِّط عليهم الرومان.
وقال -تعالى- بعد أن ذكر المرتين: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) (الإسراء: 8)، أي: إن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى إذلالكم. فأمتنا أمة منصورة ظاهرة إلى قيام الساعة.