الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 14 سبتمبر 2026 - 3 ربيع الثاني 1448هـ

من سمات المدرسة الإسلامية العقلية الحديثة

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المراد بالمدرسة العقلية الحديثة: الاتجاه الفكري الذي يعمل على المواءمة بين الإسلام والعلمانية. ويعطي هذا الاتجاه العقل اعتبارًا فوق النصوص الشرعية بعد أن يفترض التصادم -الوهمي- بين العقل والنقل، زاعما التجديد وتفسير الإسلام وفقًا لملابسات وظروف العصر والعلوم الحديثة.

وأصحاب هذا الاتجاه العقلي لهم قدر كبير من التطلع والمتابعة للعلوم الإنسانية لدى الغرب والتأثر بكل تطوراتها. فهم:

- لديهم الأصول العامة للإسلام ولكن وفق منهج انتقائي.

- متأثرون بشدة بالتيارات الفكرية الغربية.

وأصحاب هذا الاتجاه متأثرون بالحركة العقلانية في الغرب، والتي ألغت في أوروبا دور الكنيسة والنصوص والوحي وقطعت علاقتها بها إذ رأت فيها المعوق لإنتاج الحركة العقلية. 

ونظرًا لارتباط أصحاب المدرسة العقلية بالإسلام فهم لا يجهرون بما جهرت به الحركة العقلانية في أوروبا، لكن يأخذون بنهج يقوم على الالتفاف حول النصوص. وهذه العقلانية التي يعمل بمقتضاها هي العقلانية الغربية المتحررة من ضوابط أي نقل ديني.

ونظرًا لتأثر أصحاب تلك المدرسة العقلية بمفاهيم الغرب الفكرية وشعورهم بفوقيتها فهم يتعاملون مع قضاياه على أنَّها هي الصواب، ثُمَّ يتجهون للبحث عن شبيهها في الإسلام ولو بكثير من الالتفاف على النصوص الشرعية.

والمتتبع لأفكار وآراء هذه المدرسة العقلية المعاصرة يجد أنَّها تُعَدُّ امتدادًا للتيارات العقلية الأولى في التاريخ الإسلامي، وعلى نهج الفرق الضالة التي نشأت قديمًا في التاريخ الإسلامي والتي تتبنى تقديم العقل على النقل كالمعتزلة والمتكلمين وأتباع الفلاسفة ومن على شاكلتهم.

والمتأمل لأصحاب هذه المدرسة يذهب به العجب منهم مذاهبه، فكلما قذف الغرب إلينا بمصطلح جديد أو مفهوم حادث، سارع هؤلاء إلى تلقيه بالعناية والقبول، واهتموا بإظهاره وإبرازه، بل ربما بذلوا جهدهم في إسباغ الشرعية عليه بالبحث بين ثنايا النصوص الشرعية عمَّا يؤيده، وفي مراجعة التاريخ الإسلامي لإيجاد ما يسانده، وكأنَّ همهم الوحيد هو تبريره وإضفاء الشرعية عليه وليس فرزه وتمحيصه قبل القبول به.

 

ويُعَدُّ رائد هذا الاتجاه العقلاني في العصر الحديث: الشيخ "محمد عبده" وتلاميذه في المجالات المختلفة، ثُمَّ أتباعهم من بعدهم مِمَّن أخذوا وتأثروا بنهجهم وطوروه.

الشيخ محمد عبده: 

وُلِد في عام 1849م، وتعلم في الأزهر وتخرج منه. تتلمذ في أول حياته على جمال الدين الأفغاني وتأثر به كثيرًا، وعن طريقه شارك في التنظيمات السرية وانتسب إلى الماسونية، أيَّد الثورة العرابية، ونُفِي بعد هزيمة عرابي إلى الشام (بيروت)، ثُمَّ لحق بشيخه الأفغاني في باريس، واشترك معه في إصدار جريدة (العروة الوثقى) باللغة العربية من هناك. لمَّا عاد إلى مصر تخلى عن المنهج الثوري وتبنى الإصلاح عن طريق التعليم. 

تأثر محمد عبده بالمعتزلة في كتاباتهم وسعى إلى التوفيق (التلفيق) بين الحضارة الغربية التي انبهر بها وبين الإسلام، فكان رائد المدرسة العقلية الإسلامية الحديثة، وله آراء وفتاوى ظلت محل جدل ونقاش، وتأثر به تلاميذ كثيرون. وله مؤلفات عديدة؛ من أشهرها: رسالة التوحيد. توفي في عام 1905م.

ولا بد هنا من التفريق في التعامل بين أصحاب الاتجاه العلماني وأصحاب التوجه العقلي الإسلامي الحديث، فإنهم وإن اتفقوا مع العلمانيين في بعض القضايا؛ إلا أن أصحاب العقل الإسلامي المعاصر ينتمون إلى الإسلام في الجملة ولا يناهضونه، وكثير منهم لديه دعوة وجهاد، ويغلب عليهم الحماس في الدفاع عن بعض قضايا الإسلام في مواجهة العلمانيين والغربيين، ولهم جهود مشكورة في هذا الجانب؛ لذا فإنه لا يصح ربطهم أو مقارنتهم بالتيار العلماني المعاصر الذي أُشْرِب الليبرالية الغربية في توجهاته وكتاباته.

ونظرًا لأنَّه لا توجد منهجية واضحة محددة الأطر للاتجاه العقلي، بل قد نجد لبعضهم رأيًا في قضية من القضايا أو رأيًا في مسألة لا نجده عند غيره، وربما قرر بعضهم رأيًا معينًا في موضع ثُمَّ نجد منه في موضع آخر ما يناقضه من وجه آخر لذا فمن المناسب أن يكون الحديث عن منهج أصحاب الاتجاه العقلي مُنْصَبًّا على سماتهم العامة.

ومن باب الإنصاف الذي يقتضيه البحث العلمي والأمانة العلمية، فإنَّنا يمكننا تقسيم أصحاب الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر إلى ثلاث فئات، وذلك بحسب مواقفهم من القضايا المطروحة، وآرائهم في المسائل العلمية والشرعية.

(وهذه الفئات الثلاث على النحو التالي: 

الفئة الأولى: أصحاب التوجه الشرعي: وهم الفئة التي لها عناية بالعلم الشرعي المتعلق بنصوص القرآن والسُّنَّة، وما يتفرع عنهما، والذين ظهرت آثار هذا العلم على كتاباتهم ومؤلفاتهم على وجه العموم، وإن كانت النزعة العقلية لا تفارقهم في طريقة تعاملهم مع هذه النصوص. ويمثل هذه الفئة مجموعة من الأعلام البارزين، وعلى رأسهم: يوسف القرضاوي، ومحمد عمارة، وغيرهما. وهؤلاء بالطبع ليسوا في مرتبة واحدة.

الفئة الثانية: أصحاب التوجه الفكري: وهم الفئة التي يغلب على كتاباتها ومؤلفاتها الجانب الفكري، وإن لم تنقطع عن الجانب الشرعي، والتي تتناول قضايا الفكر والثقافة العامة أكثر مِمَّا تتناول المسائل الشرعية التفصيلية في العقيدة والشريعة. ومن أمثلة تلك الفئة: فهمي هويدي، وراشد الغنوشي، وطه جابر العلواني. وهم أيضًا ليسوا في مرتبة واحدة.

الفئة الثالثة: أصحاب التوجه السياسي: وهم وإن كان لهم شيء في الجوانب الفكرية والشرعية، لكنه ليس هو الأساس في إنتاجهم، بل ينصب اهتمامهم على القضايا السياسية المعاصرة؛ سيما ما يتعلق بمقارعة خصومهم من العلمانيين والغربيين وأمثالهم، وإن كان لهم تأثر ببعض أطروحات العلمانيين. ومن أمثلة هؤلاء: حسن الترابي، وجمال البنا، وجودت سعيد. وهم أيضًا ليسوا في مرتبة واحدة). 

وهذا التقسيم مستفاد من جملة كتابات هؤلاء ومواقفهم من القضايا المطروحة في الساحة على وجه العموم، ويُعَدُّ هذا التقسيم تقسيمًا اصطلاحيًّا تقريبيًّا قد لا يمكن ضبطه على وجه الدقة. (راجع في ذلك: "الدولة المدنية بين الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر والاتجاه العلماني: دراسة عقدية"، تأليف دكتور ماجد بن علي بن إبراهيم الزميع ط. دار الفضيلة - الرياض - توزيع دار الهدي النبوي - المنصورة - ط. أولى 1434 هجريًّا - 2013م، 306- 307 بتصرف).

ومن خلال تتبع آراء وأقوال المنتمين لهذه المدرسة العقلية على تنوعهم يمكننا التعرف على أبرز سمات هذه المدرسة، والتي يشترك فيها على وجه العموم معظم المنتمين لتلك المدرسة وإن تفاوتوا في الأخذ بها والعمل بمقتضاها من شخص لآخر، بحسب القرب من الشرع أو البعد عنه. وهذه السمات موجودة فيهم على وجه العموم عند الكثيرين من رموزهم، وقد لا توجد بعضها عند رموز أخرى لهم. 

ومن أبرز هذه السمات:

1- الإعلاء المبالغ فيه لقيمة العقل: فيضع أتباع تلك المدرسة العقل في مكانة تتجاوز الحد الشرعي للعقل ودوره في فهم نصوص الوحي؛ لذا فهي تتوسع في دائرة الوثوق بالعقل خاصة في مجال العقيدة، ولا ترى بأسًا أو غرابة في تقديم العقل على النقل عند التعارض بينهما حسب مفهومهم وتصوراتهم. وهم دائمًا يحرصون على إبراز عناية الإسلام بالعقل والدعوة إلى إعماله، ليبرروا لأنفسهم عند التعامل مع نصوص الشرع تقديم ما تتقبله عقول الكثيرين منهم على النص، إمَّا برد النص نفسه أو بالتكلف في تأويله وعدم العمل به.

قال محمد عبده في رسالة التوحيد: (ورَفَع القرآن من العقل ووضعه بحيث ينتهي إليه أمر السعادة، والتمييز بين الحق والباطل والضار والنافع).

وقال تلميذه محمد رشيد رضا: (إنَّ الدليل العقلي القطعي إذا جاء في ظاهر الشرع ما يخالفه فالعمل بالدليل القطعي متعين، ولنا في النقل التأويل أو التفويض، وهذه المسألة مذكورة في كتب العقائد التي تدرس في الأزهر وغيره من المدارس الإسلامية في كل الأقطار، كقول الجوهرة: 

وكل نص أوهم التشبيها ... أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورم تنزيها)

(راجع: "الدولة المدنية بين الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر والاتجاه العلماني: دراسة نقدية" د. ماجد بن علي بن إبراهيم الزميع، ص 63- 64).

2- المناداة بالاجتهاد في الدين وذم التقليد: الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد أمر لا إشكال فيه، باعتبار الاجتهاد وترك التقليد مخرج للأمة مِمَّا هي فيه من التخلف الحضاري. وقد تبنى أصحاب هذه المدرسة العقلية الحديثة الإسلامية الدعوة إلى الاجتهاد لكن هذه الدعوة رافقها دعوتهم إلى إعادة النظر في بعض العلوم المتعلقة بالنصوص الشرعية خاصة أصول الفقه. وفي الوقت الذي زعموا فيه الاجتهاد فإنَّ أغلبهم مِمَّن ليسوا أهلًا للاجتهاد ولا يمتلكون أدواته، وفيهم من تبين تقصيره الظاهر في بذل كل الوسع المطلوب منه كمجتهد. وفي المقابل هم يتهمون من خالفهم مِمَّن يتمسكون بنصوص الكتاب والسُّنَّة وفهم السلف الصالح وأئمة الأمة المعتبرين لها بكونه من المقلدين لا من المجتهدين مثلهم. لقد تبيَّن من خلال هذه الدعوة أنَّها وسيلة لإعادة تفسير الشريعة بما يمهد لاقتباس ما يرونه صالحًا من الآراء والأفكار الأوروبية.

3- تبني نزعة الدفاع عن الإسلام في مواجهة الغرب: عمد أصحاب المدرسة العقلانية إلى محاولة تقديم صورة للإسلام يردون بها على الشبهات والأباطيل والافتراءات التي يبثها المستشرقون والكُتَّاب الغربيون حول العقيدة الإسلامية وأحكام الشريعة. وهذا أمر محمود، لكن للأسف فقد وقع أصحاب تلك المدرسة بمنهجهم العقلي في مخالفة المنهج الصحيح في الرد على تلك الشبهات والافتراءات، فقدم الكثير منهم صورة مشوهة أو مجتزأة عن العقيدة الإسلامية وأحكام الشريعة طمعًا في قبول الغرب لها، وذلك من خلال نفسية انهزامية منبهرة بما عليه الحضارة الغربية؛ لذا ظهرت من أصحاب تلك المدرسة آراء خطيرة ومواقف وتأويلات بعيدة عن الصواب في قضايا عديدة تتعلق بقضايا المرأة وأحكام الأسرة وحقوق الإنسان وأحكام الجهاد وما يتعلق بمسائل الولاء والبراء في الإسلام.

ورأينا منهم ردًّا لأحاديث صحيحة منها ما هو في الصحيحين "البخاري ومسلم"، وكان منهم الفهم السقيم للكتاب والسُّنَّة بدعوى الاجتهاد في الدين.

4- محاولة تضييق الخناق على الاحتجاج بالنصوص الشرعية: وذلك من خلال دعاوى مغلوطة عديدة، من أبرزها: 

- التشكيك في حجية أحاديث الآحاد في مجال العقيدة.

- رد أحاديث صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما؛ لكونها مِمَّا لا تقبله عقولهم؛ قال محمد رشيد رضا (مجلة المنار مجلد (29): 104): (وإنَّ في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين، ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه) (ينظر: الدولة المدنية، ص 67).

- الطعن في منهج المحدثين وفي تدوين السُّنَّة النبوية، والدعوة إلى إعمال العقل في نقد متون الأحاديث النبوية.

- المسارعة إلى التأويل للنصوص إذا تعارض ظاهرها مع العقل أو معطيات تلك المدرسة أو اكتشافات العلوم الحديثة.

ففي تأويل أمر قتال الملائكة للكفار في غزوة بدر قال محمد رشيد رضا في تفسير المنار (2/ 561) في قول الله -تعالى-: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأنفال: 9): (إنَّ هذا الإمداد روحاني يؤثر في القلوب فيزيد من قوتها المعنوية). وأضاف: (وظاهر نص القرآن أنَّ إنزال الملائكة وإمداد المسلمين بهم فائدته معنوية كما تقدم، وأنَّهم لم يكونوا محاربين).

5- التمادي والتوسع في تطبيق بعض الأصول والقواعد الفقهية في مواجهة النصوص الشرعية لترك الأخذ بها كالتوسع في الأخذ بالمصالح المرسلة أو الاستحسان أو العرف.

6- التمادي في النزعة التوفيقية بين العقل والشرع: يعمد أصحاب المدرسة العقلية إلى التكلف والتعسف في التوفيق بين العقل والنص، وبين الحضارة الغربية والإسلام، وبين حقوق الإنسان في مفهوم الغرب وحقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية، وبين العلمانية والديمقراطية والإسلام، ولا يمكنهم الجمع والتوفيق بين تلك المتناقضات إلَّا بالجرأة على التكلف في تأويل النصوص الشرعية، بل وردها أحيانًا.

7- التهجم والانتقاص من مذهب السلف وأتباعه: ففي محاولة للتنفير من مذهب السلف وأتباعه يطلق أصحاب المدرسة العقلية الأوصاف المنفرة على مذهب السلف، فهو المذهب النصوصي، ومذهب الجمود على الموجود، وهو الفقه البدوي، وأتباعه هم النصوصيون، الحرفيون، الظاهرية الجدد، أهل التقليد والجمود.

ولب المسألة أنَّ منهج المذهب السلفي وأصوله تصادم أقوالهم الخاطئة ومواقفهم الشاذة، والتي يسعون إلى تبريرها من خلال الطعن والانتقاص من مذهب السلف وأتباعه.

8- الإفراط في الرضوخ لضغوط الواقع: مِمَّا لا يخفى أنَّ أحكام الشريعة الإسلامية تقوم على مراعاة الفقيه للواقع، ولكن هذا يكون ضمن ضوابط شرعية لا تجعل ظروف الواقع هي الحاكمة على النصوص الشرعية مِمَّا يفتح المجال لأهل الأهواء لتجاوز أحكام الشرع كما يشاؤون. لكن أصحاب المدرسة العقلية الحديثة يقدمون مراعاة الواقع أكثر من مراعاة الأحكام الشرعية على تفاوت بينهم في التفاصيل والتطبيقات، بدعوى أنَّ لكل عصر مشكلاته النابعة من طبيعة العصر وترتبط بظروفه الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وبالتالي فتح الباب في مواجهة نوازل العصر لكتابات ورؤًى فقهية وأصولية جديدة تعالج مشاكل العصر وقضاياه بما يحقق مصلحة الإنسان المعاصر بعيدًا عن النصوص الشرعية التي قد لا تفي بزعمهم للحكم على مستجدات العصر ونوازله الكثيرة؛ لذا يحاولون تبرير توجههم بالمبررات الشرعية، ويلبسونها مسوح الشريعة لتمريرها، تارة يكون ذلك بالاستدلال ببعض النصوص الشرعية، وأحيانًا يكون بمعارضة النصوص المخالفة لما يقولونه بنصوص أخرى عامة محتملة، وأحيانًا بحجة مراعاة ظروف العصر ومواكبة الواقع ومراعاة المصلحة.

9- ضعف الالتزام بالمنهج العلمي: فقد عانى ويعاني أصحاب المدرسة العقلية من ضعف الالتزام بالمنهج العلمي المطلوب في دراسة المسائل الشرعية بسبب ما هم عليه من تحكيم العقل والرضوخ للواقع ومحاولة التوفيق بين ما تأثروا به من الآراء والأفكار الغربية، إلى جانب ضعف البناء العلمي المتعلق بالعلوم عند كثير منهم مِمَّا نتج عنه الجهر بآراء واجتهادات شاذة وفهم سيِّئ للنصوص وأقوال العلماء.

10- فقد الدقة في استخدام المصطلحات الشرعية: إذ يغيب عن الكثيرين منهم التحرير الكافي للمصطلحات الشرعية فيخلطون بينها وبين مصطلحات الغرب كما في الكلام عن الأصولية والمعاصرة والتقدم والتراث وحقوق الإنسان والمواطنة ونحوها، ويغيب في المقابل عند البعض منهم الفهم الصحيح الدقيق لمصطلحات شرعية كالتأويل والمجاز وأهل الذمة والجزية ونحو ذلك.

ومن أمثلة هذا الخلط في المفاهيم: تركيز أصحاب الاتجاه العقلي على بعض مفاهيم الحرية المستقاة من الفكر الغربي، فيركزون على حرية العقيدة وحرية التعبير وحق المساواة وحقوق غير المسلمين في الدول الإسلامية، وحقوق الإنسان، فيأخذون بهذه المفاهيم وفق التصورات الغربية الليبرالية، ثُمَّ يحاولون تحسين صورتها وتهذيبها ما استطاعوا ثُمَّ أسلمتها، على الرغم من أن بعض هذه المفاهيم الغربية تتعارض كلية مع الإسلام.