الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 11 مايو 2026 - 24 ذو القعدة 1447هـ

الخريطة الجينية المصرية.. إنجاز وطموحات (2)

كتبه/ مصطفى خطاب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد يطرح سؤال: هل لصياغة الخريطة الجينية من فوائد اقتصادية؟

والإجابة: نعم بالتأكيد، وذلك من خلال:

- جذب استثمارات لشركات الأدوية العالمية التي يمكن أن تدخل السوق المصري بمنتجات متخصصة أو تزيد من استثماراتها في قطاع الدواء في مصر.

- دعم صناعة الدواء المحلية لتنافس عالميًّا بمنتجات مبنية على بيانات جينية دقيقة.

وبالتالي يمكن أن تصبح محركًا ومتحكمًا في المجال بدلًا من أن تكون حقل تجارب ومستهلكًا.

هل يمكن الاستفادة من الدراسة في مجالات أخرى غير الدواء؟

نعم، يمكن الاستفادة منها في عدة مجالات، فعلى سبيل المثال في مجال الزراعة والغذاء:

- تحسين المحاصيل: فهم التركيبة الجينية للمصريين يساعد في دراسة العلاقة بين الجينات والتغذية، وبالتالي تطوير محاصيل تناسب الاحتياجات الغذائية المحلية.

- التكيف مع البيئة: من خلال ربط البيانات الجينية مع أنماط التغذية، وبالتالي تحديد أفضل أنواع الحبوب والخضروات التي تلائم التركيب الجيني للمصريين وتقلل الأمراض المرتبطة بالغذاء.

- التغذية الدقيقة: مثلها مثل الطب الشخصي، لكن في الغذاء، بمعنى أنه يمكن تصميم برامج غذائية مبنية على الجينات، بحيث كل فرد يصاغ له النظام الغذائي الأنسب له.

- أبحاث الحساسية الغذائية: تحديد الاستعداد الجيني لحساسية من أطعمة معينة (مثل اللاكتوز أو الجلوتين)، وبالتالي تطوير منتجات غذائية آمنة ومناسبة.

- تحسين الإنتاج الحيواني: ربط الجينات البشرية مع دراسات التغذية الحيوانية يساعد في تطوير منتجات ألبان واللحوم أكثر توافقًا مع احتياجات المصريين الصحية.

- مكافحة سوء التغذية: تصميم برامج قومية للتغذية مبنية على التركيب الجيني، خصوصًا للأطفال والحوامل.

- تقليل الأمراض المرتبطة بالغذاء: مثل السمنة والسكري من خلال فهم كيف يتفاعل الجسم المصري مع الدهون والسكريات.

- تطوير أغذية وظيفية ومنتجات غذائية مدعمة بعناصر تتوافق مع الجينات المصرية، مثل اللبن المدعم أو الحبوب الغنية بالفيتامينات.

- دعم الصناعات الغذائية المحلية: شركات الأغذية تستطيع تطوير منتجات موجهة خصيصًا للسوق المصري، بدلًا من الاعتماد على وصفات عالمية عامة.

فعلى سبيل المثال لو اكتشفنا أن نسبة كبيرة من المصريين لديهم استعداد وراثي لضعف امتصاص فيتامين "د"، يمكننا تطوير برامج غذائية وأطعمة مدعمة بالفيتامين د، ويتم تعديل السياسات الصحية لتقليل نسب هشاشة العظام مستقبلًا.

الدراسة وتأثيرها على الأمن القومي:

بالقطع يعد هذا الأمر من مستجدات الأمن القومي كالتالي:

- الأمن الصحي: وجود قاعدة بيانات جينية مصرية يساعد الدولة في مواجهة الأوبئة والأمراض بشكل أسرع وأكثر دقة، يقلل الاعتماد على بيانات أجنبية غير مناسبة، وبالتالي يرفع قدرة مصر على حماية مواطنيها.

- تحقيق قدر من السيادة العلمية والتكنولوجية: امتلاك مصر لمرجعية جينية وطنية يمنع أي طرف خارجي من التحكم في بيانات المصريين أو استخدامها بشكل غير مشروع، وهو ما يحمي مصر من "الاستعمار البيولوجي" أو استغلال المعلومات الجينية لأغراض سياسية أو اقتصادية.

- التخطيط الاستراتيجي للسكان: فهم الاستعدادات الوراثية للأمراض يساعد الدولة على وضع خطط طويلة المدى للرعاية الصحية، وبالتالي تقليل الضغط الاقتصادي والاجتماعي.

- الحماية من التهديدات البيولوجية: لأن وجود الخريطة الجينية يعطي لمصر القدرة على تطوير لقاحات وعلاجات خاصة وبسرعة في وقت الاحتياج، وهو ما يمثل عنصر ردع مهم في الأمن القومي الحديث.

فعلى سبيل المثال: (الصين) أطلقت مشروع "الجينوم الصيني" لتجميع بيانات جينية ضخمة عن مواطنيها. ولم يكن الهدف طبيًّا، لكن تعزيز السيادة العلمية ومنع الاعتماد على قواعد بيانات أجنبية. فكانت النتيجة: استطاعت الصين أن تطور لقاحات وأدوية بسرعة أثناء جائحة كورونا، واستطاعت أن تؤمن لنفسها ولمواطنيها تحقيق ريادة بل مكاسب اقتصادية وسياسية أيضًا.

وهنا يطرح سؤال: كيف يتم تحقيق كل هذه الفوائد وغيرها؟

يجب أن نعلم أن هذا المشروع مجرد بداية وليس نهاية، وهو الأمر الذي يستلزم المضي في خطوات تالية لا بد من اتخاذها لتجاوز التحديات وتحقيق المكاسب من خلال:

- استمرار التمويل لضمان تحديث البيانات وتوسيع قاعدة المشاركين.

- حماية الخصوصية الجينية ومنع إساءة استخدام المعلومات.

- تدريب الكوادر الطبية والبحثية على استخدام هذه البيانات في التشخيص والعلاج.

- الاستثمار في البحث العلمي والاستفادة من الخريطة الجينية في مختلف المجالات.

- توجيه اللجان المتخصصة في مختلف الوزارات والمؤسسات واللجان القومية والوطنية في مختلف المجالات لصياغة وتطوير رؤية مصر 2030.