كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فاعتلال القلب ومرضه يكون بفقد القلب لقدرته أو بعضها على أداء وظائفه المنوطة به شرعًا.
أمراض القلوب على ضربين:
1- ضرب لا يتألم به صاحبُه في الحال، كما في مرض الجهل ومرض الشهوات؛ حيث إن الجهل والهوى يحولان بين القلب وإدراك الألم، وهذا مكمن الخطورة؛ فقد يتفاقم المرض حتى يموت القلب وصاحبُه لا يشعر بموته، ومدار علاجه في العلم بما جاء به الشرع واتباعه.
2- ضرب مؤلم لصاحبه في الحال، يصيب القلب كما يصيب البدن، كما في حال الحزن والغيظ، وعلاجه في إزالة أسبابه.
وقد يشعر المرء بمرض قلبه، لكن يشتد عليه تحمل مرارة العلاج، فربما آثر بقاء الألم الذي يشعر به على المداومة على العلاج، والصبر على الدواء. وليس على النفس أشد صعوبة من مخالفة الهوى، وليس للنفس أنفع لها إن أرادت السلامة والنجاة في الدنيا والآخرة من مخالفة الهوى.
من علامات مرض القلب:
- أنه لا تؤلمه المعاصي؛ فالقلب الصحيح يتوجع باقتراف المعصية ويحدث لها الاستغفار والتوبة، قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف: 201)، وقال -تعالى- في المتقين: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) (آل عمران: 135).
- أنه لا يحزنه ما هو عليه من الجهل بالحق أو نقص في العلم، خاصة حال ورود الشبهات ووقوع الفتن والملمات، والتي يشتد عندها طلب العلم النافع ومراجعة العلماء الأثبات. قيل للإمام سهل -رحمه الله-: "يا أبا محمد، أي شيء أقبح من الجهل؟ قال: الجهل بالجهل".
- أنه يعرض عن سماع القرآن وتلاوته، بينما يقبل على الغناء ومجالس اللغو واللهو، وكلما سلم القلب أحب العبد ما يحبه الله -تعالى-، وكلما مرض القلب أقبل العبد على ما لا يحبه الله، وما نهى عنه رسولُه -صلى الله عليه وسلم-؛ قال -تعالى-: (وَلُكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْعُصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات: 7).
ما يحجب القلب عن الرب:
والأمور التي تحجب القلب عن الرب تنشأ من موافقة النفس في رغباتها وملذاتها، أو موافقة الشيطان في وساوسه وخواطره، أو حب متاع الدنيا والتعلق بها، أو اتباع الهوى وتقديمه على الشرع.
وهي توجب على المرء للنجاة والتخلص من مغباتها وعواقبها مراعاة:
- محاربة الشيطان بتجنب تتبع خطواته، وبمخالفة وساوسه وخطراته، والاستعاذة بالله -تعالى- منه.
- الزهد في الدنيا وإخراجها من القلب: ويُراد بالزهد في الشيء انصراف الرغبة عنه لشيء هو خير منه، والزهد في الشرع انصراف عن طلب الدنيا بطلب الآخرة، لكون الآخرة خيرًا وأبقى من الدنيا؛ قال -تعالى-: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى: 16- 17)، وقال -تعالى-: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) (الرعد: 26)، وقال الله -تعالى-: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 64)، وقال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (فاطر: 5).
وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي اليمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
- مخالفة النفس بإخلاص العمل لله وحده.
- محاربة الهوى بتحكيم الشرع والوقوف عليه.
ومن أنواع الحجب التي تحجب القلب عن الرب:
- الشرك بصرف العبادات القلبية لغير الله -تعالى-.
- نفي أسماء الله -تعالى- الحسنى وصفاته العلى، وعدم العمل بمقتضاها، وما يترتب على ذلك من فقد القلب للمعرفة الواجبة بالله -تعالى-.
- الكبائر الظاهرة والباطنة، والبدع القولية والفعلية.
- الغفلة وعدم استحضار القلب لما خلق له ويُراد منه، وبالتالي التقصير في الذكر والشكر والاستغفار. والذنب تلو الذنب يغطي القلب كالران فيحجبه عن ربه؛ قال الله -تعالى-: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ . ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ . ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (المطففين: 14- 17).
الأسباب المسببة لأمراض القلب:
1- التعلق بغير الله -تعالى-: وهذا من أعظم المفسدات، فمن تعلق قلبُه بغير الله -تعالى- حبًّا أو خوفًا أو رجاءً، وكله الله -عز وجل- إليه، فيخذله من جهة ما تعلق به؛ قال -تعالى-: (لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا) (الإسراء: 22)، وقال -تعالى-: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا . كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) (مريم: 81- 82). وقال -تعالى-: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ . لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) (يس: 74- 75).
2- كثرة الخلطة للناس عامة: للعبد مخالطة الناس في الخير كالجمع والجماعات، والتعاون معهم على البر والتقوى، وعليه أن يتجنب مخالطتهم في الشر، وعدم التعاون معهم في الإثم والعدوان، فيأخذ من مخالطة الناس ما ينفع وبقدر الحاجة، ويدع من فضول المخالطة للناس ما لا منفعة فيه؛ فكم جلبت مخالطة الناس بلا تمييز ومحاسبة من النقم، وكم أضاعت من النعم!
وكم تسببت في محن وفتن، فأضاعت مصالح وأوقات، وحجبت طاعات ومنافع، خاصة مخالطة أصدقاء السوء وأراذل الناس وما أكثرهم! قال -تعالى-: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّني عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) (الفرقان: 27- 29)، وقال -تعالى-: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: 67)، وقال -تعالى-: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (العنكبوت: 25).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ) (رواه مسلم). والمراد بالغنى هنا: غنى النفس. وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ) (رواه البخاري).
3- فضول الطعام والشراب وكثرة الشبع: فالشبع والإفراط في تناول الأطعمة والأشربة يثقل العبد عن الطاعات، إذ يقوي في النفس دافع الشهوة، ويقوي مجرى الشيطان؛ فإن الشيطان يجري من العبد مجرى الدم، ومن أكل كثيرًا شرب كثيرًا ونام كثيرًا وقلت وثقلت حركته، وقلت همته، وعانى من السمنة، وثقل بدنه، ويشغله ذلك كثيرًا بتدبير المال اللازم لتحصيل هذه الأطعمة المحببة كما ونوعا ليحصل عليها ويظفر بها. ولهذا كان الصوم، الذي هو نقيض ذلك، من أفضل العبادات البدنية؛ لأنه يضاد ذلك، ويحد منه ويمنعه.
قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ؛ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ: فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) (رواه الترمذي، وأحمد، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفي الْأَرْبَعَةَ) (رواه البخاري).
4- فضول النظر: فكثرة النظر خاصة للصور المحرمة يدعو إلى استحسانها، والاعتياد على الإكثار من النظر إليها، ومن ثم التعلق وانشغال القلب والبال بها، والتفكر في محاولة الوصول إليها، أو الظفر بها، أو القرب منها؛ وكم من فتن كان سببُها فضول النظر، وكم من نظرات بلا حاجة أورثت حسرات، خاصة وأن العين لا تسأم ولا تمل من كثرة النظر لما ينفع وما لا ينفع؛ قال -تعالى-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (النور: 30- 31).
ولما سُئل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن نظر الفجأة قال: (اصْرِفْ بَصَرَكَ) (رواه مسلم).
قال النوويُّ -رحمه الله- في شرح مسلم: "ومعنى نظر الفجأة أن يقع بصرُه على الأجنبية من غير قصد؛ فلا إثم عليه في أول ذلك، ويجب عليه أن يصرف بصرَه في الحال، فإن صرف في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أَثِم لهذا الحديث؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمره بصرف بصره، مع قوله -تعالى-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)".
ومعلوم أن النظر المحرم وفضول النظر مما يسمح للشيطان بدخول القلب والنفوذ إليه، فيمثل له صورة المنظور إليه ويزينها ويمنيه، مما يوقد في القلب نار الشهوة والوقوع في المعصية.
5- فضول الكلام: فالكلمة مسؤولية، وما يلفظ المرء من قول يحاسب عليه؛ لذا ففضول الكلام تفتح على العبد أبوابًا من الشر كلها من مداخل الشيطان، وأكثر المعاصي بل والكبائر هي من آفات اللسان، من الغيبة والنميمة والبهتان والكذب وقذف المحصنات واللعن والشتم وغيرها كثير. والنجاة من كل ذلك مرهونة بالإمساك عن فضول الكلام وحبس اللسان؛ قال -تعالى-: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18)، وقال -تعالى-: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات: 12). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ) (رواه البخاري ومسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) (متفق عليه).
قال النوويُّ -رحمه الله-: "وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي ألا يتكلم إلا إذا كان خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحتُه، ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم. اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء".
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري). وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: "قلت يا رسول الله ما النجاة؟"، قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) (متفق عليه).
6- فضول النوم: فرأس مال الإنسان الوقت الذي يتاجر به طوال حياته، يكتسب به الحسنات، والتمادي في النوم إضاعة لهذا الوقت أشبه بالموت، والإكثار من النوم إضاعة لأوقات كانت يمكن أن تملأ عملاً نافعاً للعباد أو طاعات مقربة لله -تعالى-، خاصة قيام الليل أو التهجد فيه، ويعد النوم الكثير صورة من صور الكسل والغفلة.
وأنفع النوم ما كان عند الحاجة إليه، ونوم أول الليل أنفع خلافاً للسهر بلا مصلحة دنيوية أو شرعية، ونوم القيلولة وسط النهار أنفع من النوم في طرفيه. ومن المكروه النوم بعد صلاة الصبح؛ لأنه أول النهار ووقت غنيمة حيث نزول الأرزاق وحصول القسمة وحلول البركة؛ فينبغي أن يكون النوم فيها كنوم المضطر.
أبواب الشيطان إلى قلب الإنسان:
القلب قابل للخواطر الداعية إلى الخير، كما أنه قابل للخواطر الداعية إلى الشر، والشيطان بعداوته الدائمة للإنسان يوسوس له ليل نهار بخواطر الشر، وإن مال الإنسان إلى حب الدنيا وغفل عن ذكر الله وجد الشيطان المجال أمامه للوسوسة بالشر، وإن مال الإنسان إلى العمل للآخرة وداوم على ذكر الله -تعالى- وعبادته سد على الشيطان مداخله إلى القلب.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم؛ فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس" (رواه ابن أبي شيبة). فالقلب كالحصن، والشيطان يريد أن يقتحمه ويدخله ليستولي عليه ويتملكه، وحفظ هذا الحصن من هذا الشيطان العدو يقتضي الحراسة التامة الدائمة لأبواب هذا الحصن ومداخله.
ومن أبواب الشيطان لدخول القلب:
1- الشهوات: فبها يظلم المرء نفسه بأن يوقعها في مخالفة شرع الله، فتستحق العقوبة المترتبة على انتهاك المحرمات.
2- الغضب: وهو آفة عظيمة تذهب بعقل الإنسان، فيظلم نفسَه ويظلم معه غيرَه، وعواقب الاستجابة للغضب أليمة شديدة؛ قال الله -تعالى-: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134)، وقال -تعالى-: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أوصني"، قال: (لَا تَغْضَبْ)، فردد مرارًا، قال: (لَا تَغْضَبْ) (رواه البخاري).
3- حب الأموال بأنواعها، من الذهب والفضة والعروض والعقارات والدواب.
4- الطمع فيما في أيدي الناس، والحسد والغل.
5- التسويف وطول الأمل: قال -تعالى-: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمُوتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: 10- 11)، وقال -تعالى-: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر: 3). ويلههم الأمل: يشغلهم طول الأمل.
قال الحافظُ ابن حجر -رحمه الله- في "الفتح": "هذا تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل، ليس من أخلاق المؤمنين". وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). والمراد بهاذم اللذات: الموت؛ فهو الذي يقضي على طول الأمل وكثرة التمني والتسويف.
ومن أكبر أسباب طول الأمل والتسويف: حب الدنيا والتعلق بها والاطمئنان إليها، والتعويل على سن الشباب، واستبعاد قرب الموت.
6- العجلة والتسرع: والمطلوب من العبد أن يكون على نقيضهما من الحلم والأناة. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأشج عبد القيس: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (التَّأَنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) (رواه مسلم).
7- البخل والشح وخوف الفقر، الذي بمقتضاه يمنع المرء الزكاة والصدقات، ويترك الإحسان إلى العباد، وربما أوقعه بخله في الكذب والغش والاختيال والسرقة؛ قال -تعالى-: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: 16). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ) (رواه مسلم). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا فَضْلَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ) (رواه مسلم).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ فِي الْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ) (رواه البخاري ومسلم). ومعنى أرملوا: فرغ زادهم أو قارب الفراغ.
8- حب الزخارف الدنيوية، في المساكن والأثاث والمراكب والثياب، قال -تعالى-: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: 14).
والشيطان يترصد تلك الأبواب والمداخل ويتربص بها من كل الجوانب، لا يدخر في ذلك جهدًا، فهو يحاصر قلب الإنسان ويراقبه، فإن سلك العبد مسلكًا فيه طاعة ثبطه عنها، ووضع له في طريقه العراقيل، وإن سلك مسلكًا فيه معصية زينها له، وحمله عليها، كما ذكر الله -تعالى- عن إبليس قوله: (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف: 16- 17)، وقال -تعالى-: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (الحجر: 39- 40).
فإذا وجد الشيطانُ أمامَه مدخلاً من هذه المداخل مفتوحًا، سارع يبث من خلاله من الوساوس والخواطر ما يغري الإنسان و يزين له الوقوع في الأمور المحرمة، كالإسراف والتبذير، وإضاعة الأموال، وتحصيل الشهوات، ومعايشة حياة التنعم والترف، أو إضاعة الأوقات الثمينة في السفاسف والتفاهات، أو شغل العقل في التوافه والملهيات، والإكثار من السيئات و إضاعة فرص تحصيل الحسنات.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ -تعالى- يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا: فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وكثرةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ) (رواه مسلم).
وكما يوسوس الشيطان للإنسان بالشر فهناك نوعيات من الناس أيضًا توسوس للمرء بالشر، كما قال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الأنعام: 112). فشياطين الإنس تشارك في الوسوسة والإفساد والإضلال؛ لذا ينبغي الحذر التام منها.