الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 27 أبريل 2026 - 10 ذو القعدة 1447هـ

الانتحار ليس حلًّا

كتبه/ عبد العزيز خير الدين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد يمر الإنسان بابتلاءات ومحن في حياته، كَمَنْ يشتد عليه المرض، أو عدم تحمل الفقر، أو عنده رغبة شديدة في الزواج من امرأة بعينها، لكن مُنِع من ذلك لأي سبب، أو أخفق في دراسته، أو ابْتُلِي بجيران أو زملاء دراسة -أو حتى في نطاق الأسرة-، فتعاملوا معه بأسوأ الأخلاق، أو عنده طموح وأمنيات لم تتحقق، فيصاب بالإحباط واليأس.

ولعدم قوة إيمانه بقضاء الله وقدره، وغفلته وجهله بِأَنَّ الخير والشر لا يعلمه إلا الله -تعالى-، بدلًا من أن يسعى في التفكير في الحلول يظن أَنَّ الانتحار هو الحل، فيقتل نفسه بأي وسيلة، بالرصاص أو الحرق أو إلقاء نفسه من مكان عالٍ، أو بالسم، وغيرها من الأساليب الشيطانية، ولا يدري هذا الغافل أَنَّهُ ارتكب كبيرة من أكبر الكبائر، وهي: قَتْل النفس التي نهى الله -تعالى- عن قَتْلِهَا، فقال -تعالى-: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (النساء: 29).

ولو علم المنتحر العذاب الذي ينتظره بعد الانتحار لصبر ولجأ إلى الله -تعالى-، ثم بَحَث عن الحل، فسأل أهل الاختصاص والعلماء؛ كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرةَ -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا).

قال الإمام النووي -رحمه الله-: "وَأَمَّا قَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: (فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) فَقِيلَ: فِيهِ أَقْوَالٌ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلاً مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ فَهَذَا كَافِرٌ، وَهَذِهِ عُقُوبَتُهُ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُلُودِ طُولُ الْمُدَّةِ وَالإِقَامَةِ الْمُتَطَاوِلَةِ لا حَقِيقَةُ الدَّوَامِ كَمَا يُقَالُ: خَلَّدَ اللَّهُ مُلْكَ السُّلْطَانِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ وَلَكِنْ تَكَرَّمَ -سبحانه- و -تعالى- فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لا يَخْلُدُ فِي النَّارِ مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا".

وليعلم كل مُبْتَلًى: أَنَّ الابتلاء خير له في كل الأحوال، وَأَنَّ الله -سبحانه- سيوفيه أجره وحسابه على صبره، وعليه بالدعاء والتضرع إلى الله -تعالى-، وأكبر مصيبة تقع على الإنسان وتؤثر فيه هي مصيبته في دينه فقط، وَأَنَّ مصائب الدنيا وشدائدها كلها تهون مهما كانت.

ولنا مَثَلٌ عظيمٌ جِدًّا في الصَّحابة الثَّلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهذا الأمر أحزن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، وقاطعهم، ولا شك أَنَّ هَذِهِ أكبر مصيبة تمر على الإنسان حين يقاطعه النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ويأخذ منه موقفًا؛ لذا صَوَّر الله -تعالى- حالهم: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) (التوبة: 118)، لكن لقوة إيمانهم وإخلاصهم وثقتهم أَنَّ الحل والمخرج هو اللجوء إلى الله -تعالى-: (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) (التوبة: 118)، فكانت النتيجة: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: 118).

فلو نظر مَنْ أراد الانتحار إلى مَنْ هو دونه في أمور الدنيا؛ لعلم أَنَّ فَضْل الله -تعالى- عليه كبير، وما أعدَّه الله -سبحانه- للمنتحر يوم القيامة من عقوبة لَرَضِي بالأمر الواقع، وشكر الله -سبحانه- على نعمه العظيمة، وفوض أمره إلى خالقه؛ فهو أَرْحَمُ به من الوالدة بولدها.