الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 23 فبراير 2026 - 6 رمضان 1447هـ

مقالات في علوم القرآن الكريم وارتباطها بالعلوم الأخرى (19) تابع القراءات الشاذة ومدى حجيتها في الأحكام الفقهية

كتبه/ ياسر محمد محمود

إتمامًا للفائدة ولمزيدٍ من الإيضاح في مسألة القراءات الشاذة ومدى حجيتها في الأحكام الفقهية، نذكر بعض مصاحف القراءات الشاذة: متى ظهرت؟ هل دونت؟ ما خصائصها؟ وما علاقتها بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن؟

أولًا: زمان ظهورها:

بالنظر في رأي الأحناف وبعض الشافعية: أن القراءة عندهم أخبار وقعت تفسيرًا، فظنها السامع قرآنًا، أو قرآنًا نسخ تلاوته، فهي بذلك ظهرت منذ بدء نزول الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومما يدل على ذلك: ما وقع بين عمر -رضي الله عنه- وهشام بن حكيم الواقعة التي ذكرها البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي كلهم من طريق الزهري عن عروة بألفاظ متقاربة، ولما رجعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينكر على أحد منهما، ولم تفصح الروايات عن نوع ما اختلفوا عليه من أحرف، هل هو من المتواتر أو الشاذ فلا يبعد هذا ولا ذاك، بل إن هناك قراءات عدت شاذة، وقد رفعت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وربما قرأ بها تعليمًا، وليفهمه من ليس من قريش، وما جاورها من القبائل، وذلك مثل: "إِنَّا أَنْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ" (مختصر ابن خالويه)، وعزاها أبو حيان في (البحر المحيط) للحسن وطلحة، وابن محيصين، والزعفراني، وقال: إنها مروية عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي مخالفة للمرسوم المجمع عليه.

ومن هنا يظهر لنا: أن الناس كانوا يقرؤون بما يطيقون. ولما جمع أبو بكر -رضي الله عنه- القرآن لا شك أنه جمع على كل الأحرف والشواذ منها، وظل الأمر كذلك عند عمر، ثم عند ابنته حفصة، واستمر الحال هكذا حتى زمان عثمان، عندما كتب -رضي الله عنه- المصاحف، وهذه بعض الروايات التي تطلعنا على حقيقة كتابة المصاحف على عهد عمر، أخرج ابن أبي داود من طريق زيد بن أسلم عن أبي يونس مولى عائشة -رضي الله عنها- قال: كَتَبْتُ لِعَائِشَةَ مُصْحفًا، فَقَالَتْ: إِذَا مَرَرْتَ بِآيَةِ الصَّلَاةِ فَلَا تَكْتُبْهَا حَتَّى أُمْلِيهَا عَلَيْكَ، قَالَ: فَأَمْلَتْهَا عَلَّي، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتَ عَلَّي: حَفِظُواْ عَلَى ?لصَّلَوَتِ وَ?لصَّلَوةِ ?لْوُسْطَى وَصَلَاةِ العَصْرِ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمَعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (رواه مسلم).

ففي كتابة عائشة -رضي الله عنها- هذه اللفظة في مصحفها وجوه من الاحتمال، فيحتمل أن لم يبلغها النسخ، ويحتمل أنها أثبتتها على جهة التفسير، لا على أنها قرآن.

و"يحتمل سماعها من النبي -صلى الله عليه وسلم- على أنها قرآن ثم نسخت كما في الحديث الآتي: عن البراء بن عازب قال: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (حَفِظُواْ عَلَى ?لصَّلَوَتِ وَصَلَاةِ العَصْرِ)، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ. فَنَزَلَتْ: (حَفِظُواْ عَلَى ?لصَّلَوَتِ وَ?لصَّلَوةِ ?لْوُسْطَى)، فَقَالَ رَجُلٌ: كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ: هي إذن صَلَاةُ الْعَصْرِ. فَقَالَ الْبَرَاءُ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ. وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (رواه مسلم).

فلعل عائشة لم تعلم بالنسخ أو اعتقدت في نسخ حكمه وبقاء رسمه، أو اعتقدت جواز إثبات غير القرآن فيه، على ما روي عن أبي وعن غيره من الصحابة أنهم جوزوا إثبات القنوت، وبعض التفسير في المصحف، وإن لم يعتقدوه قرآنًا" (شرح الزرقاني على موطأ مالك، كتاب صلاة الجماعة، باب الصلاة الوسطى).

وقال القاسمي -رحمه الله-: "هذا من عائشة -رضي الله عنها- إعلام بالمراد من الوسطى عندما ضمت التأويل إلى أصل التنزيل لأمن اللبس فيه". والله أعلم.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.