الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 12 يناير 2026 - 23 رجب 1447هـ

أثر العربية في نهضة الأمة (18)

كتبه/ ساري مراجع الصنقري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فرجاؤنا لا ينقطع في أن تُكثَّف الجهود المبذولة من أصحاب القرار، ويزداد تعاونهم على إنجاز الأفكار والاقتراحات، كي تظلّ العربية مرفوعةَ الرأس، نابضةً بالحياة، مواكبةً للحضارة.

قال الأديب الكبير، شيخ النُّحاة في الشّام، د. سعيد الأفغاني (1909م - 1997م): "واستمرّت الجهود في بعث الفُصحى تترى، ومن كثرة ما كنا نسمع في صبانا من تنفيرٍ من العاميّة وتحبيب بالفصحى، انتقل التشاؤم بالعامية إلى القرويين، وتحفظ ذاكرتي نُزهةً ربيعيّةً قمتُ بها مع أبي -رحمه الله- في غوطة دمشق يوم جمعة، فلما حانت الصلاة قصدنا مسجدَ قريةٍ قريبةٍ، وكان الخطيب يقرأ من كتاب، شأن أكثر خطباء القرى يومئذٍ، إلا أنَّه قبل أن يجلس بين الخطبتين توجه إلى القرويين يُحذِّرُهم بلهجتهم الدّارجة من أمرٍ فشا بينهم، فلمّا قُضيت الصلاة واتجهنا نحو الباب إذا أحدهم يسأل جارَه بصوتٍ مسموع: "ألَم تفسد صلاة الجمعة بقطع الخطيب الخطبة والتكلم بالعامية؟"، فكان الجواب: "إنَّا لله! نعيد الصلاة والله يعفو ويسامح!".

صار من دأب المتكلمين والطلبة عيب مَن يسبق لسانه بكلمة عامية، وكنت قد ظفرت قبل سنواتٍ ببعض قصيدةٍ تعكس الرُّوح السائدة قبل سبعين سنةً لم تنشر واحتفظ بها أحد معارفي، نظمها صاحبها الشيخ أبو السعود مراد سنة ???? أيّام العهد العثماني، مُنفِّرًا من العاميّات الدّارجة.

ومن أبياتها:

أسفًا لغة العرب الـفـصـحى                    قـد ضـاعـت مـنَّـا بالـعــمـد

والـيـوم تــداولـنـا لــــغــــة                    عــوجــاء مـذبـذبة الـقـصد

مـــلــئــت ألـفـاظًـا موحشة                    ما فــيهـا من مـعـنى يجدي

والـعـالـم لا يــتــحــاشـاهـا                     فضلًا عن ذي الجهل الضدّ

وعلى هذا تكون الصَّرخةُ في تنقية اللغة من العامية قديمةً في الشّام" (انتهى).

وهنا لا بدّ أن نتذكر كلام اللغويّ الكبير، شيخ بغداد، د. حسين علي محفوظ (1926م - 2009م)؛ فقد قال: "وقد حفظ هذا اللسانُ المبينُ تراثَ العربِ في العلم والأدب والفلسفة والصناعة والفنّ، وحفظ مواريث الإنسان وما خلّف من نتاج وحضارة وفكر، في كتب وأسفار ودفاتر بلغت الملايين، تعتزّ بها دور الكتب والخزائن العامّة والخاصّة في المشرق والمغرب.

هذا، وليس لنا (إذ فرَّقتنا اللهجات) إلا (الفصحى) رابطة قوية محكمة متينة أمينة، فلا بدّ من لزومها، والمحافظة عليها، وتوريثها، والسعي لتقريب العامية منها.

ثم لا بد من اجتناب اللحن، وتقويم اللسان والقلم، ورعاية الفصاحة، وتَوخِّي السلاسة والسلامة والسهولة والوضوح في الكلام والبيان، والتأليف والتدوين، والترجمة والنقل والتعريب، والكتابة والإنشاء والتعبير، والتزام القواعد وأساليبها البيانية الأصيلة، وطرائقها وسننها المأثورة" (انتهى).

ونلتقي في مقالٍ قادمٍ -بإرادة الله-.