كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن الظواهر والمظاهر التي تكثر في فصل الشتاء:
- انخفاض درجات الحرارة وبرودة الجو: فيتميز فصل الشتاء بانخفاض درجة الحرارة وانتشار البرودة فيه، والتي قد تصل أحيانًا إلى حد الزمهرير. ولحماية الإنسان من تأثير هذه البرودة وانخفاض درجة الحرارة يسر الله -تعالى- لعباده ما يحفظون به أبدانهم من ضررها؛ قال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ . وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) (النحل: 80-81).
جاء في التفسير الميسر: "(بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ) أي: جعل لكم -سبحانه- من جلود الأنعام والبقر والغنم بيوتًا تجدونها خفيفة الحمل يوم سفركم ويوم إقامتكم في مكان معين (أَثَاثًا) أي: أشياء تستعملونها في بيوتكم (وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) أي: وما تتمتعون به في بيوتكم وفي معاشكم إلى وقت معين (أَكْنَانًا) أي: مغارات وكهوفًا (سَرَابِيلَ) أي: ملابس للوقاية من الحر والبرد، ومن أسلحة الأعداء كالدروع وما يشبهها (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) أي: تسلمون وجوهكم لله في العبادة".
وقال الله -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف: 26). والمعنى: "قد خلقنا وأوجدنا لكم لباسًا تلبسونه ليستر عوراتكم، وأوجدنا لكم لباسًا آخر تتزينون به" (انظر: التفسير الميسر).
وقال الله -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (الأعراف: 31) أي: ألبسوا الملابس الحسنة عند كل صلاة وعبادة (انظر: التفسير الميسر).
- وتكثر الرياح في فصل الشتاء فتساهم في زيادة وانتشار البرودة، كما أنها تحمل السحب إلى حيث أماكن نزول المطر منها؛ قال الله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا) أي: بشارة (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ) أي: حملت (سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي: لا زرع به (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 57). وقال الله -تعالى-: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) أي: حاملة للسحاب (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (الحجر: 22) (التفسير الميسر).
وقال الله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا . وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) (الفرقان: 48-50). وقال الله -تعالى-: (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: 63).
وقال الله -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الروم: 46)، وقال الله -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا) أي: فتحرك سحابًا (فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا) أي: قطعًا بعضها فوق بعض (فَتَرَى الْوَدْقَ) المطر (يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ . فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: كيف يجعل الأرض خضراء بعد أن كانت جدباء (إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم: 48-50).
وقال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا) فتحرك السحاب تارة شمالًا وتارة جنوبًا (فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) (فاطر: 9) (التفسير الميسر).
وقال الله -تعالى-: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة: 164).
وقال الله -تعالى-: (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) أي: وتقليب الرياح من حال إلى حال (آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الجاثية: 5).
- وتعد الرياح مصدرًا للخير غالبًا بحملها السحب الممطرة، وتلطيفها الجو، وإذهابها للروائح الكريهة ونحوها، لكنها أيضًا قد تكون مدمرة تحمل في طياتها ما يضر ويكره، وحقيقة الأمر أن الرياح في هذا وفي ذلك مأمورة مسخرة؛ قال الله -تعالى- في شأن نعمه على نبيه سليمان -عليه السلام-: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) (ص: 36)، بينما قال الله -تعالى- في شأن عقوبته -تعالى- لقوم عاد: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا) أي: لما رأوا العذاب متمثلًا في سحاب عظيم متجهًا نحو ديارهم (مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) أي: قالوا هذا سحاب ننتظر بعده المطر (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ . تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (الأحقاف: 24-25).
وقال الله -تعالى- في نصره -عز وجل- بالريح لنبيه -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضي الله عنهم-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (الأحزاب: 9). والمعنى: فأرسلنا على هؤلاء الأعداء ريحًا شديدة شتت شملهم، كما أرسلنا عليهم جنودًا من الملائكة ألقوا في قلوبهم الرعب (انظر: التفسير الميسر).
- لذا فقد ورد في السنة النبوية الشريفة النهي عن سب الريح، وبيان ما ينبغي أن يقوله العبد عند هبوب الريح: فعن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
ومعنى (تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ): أي: تارة تكون رحمة إذا أتت بمطر في الجدب، أو هبت في وقت حر، ونحو ذلك. وتارة تكون عذابًا، بأن تهد البيوت الأبنية، وتثير الغبار، وتكسر الأشجار، وتفرق السحاب الذي يطمع أن يكون فيه المطر، ونحو ذلك.
قال ابن العثيمين -رحمه الله- في شرحه لرياض الصالحين: "هذه الريح التي خلقها الله -عز وجل- وصرفها تنقسم إلى قسمين: قسم: ريح عادية لا تخيف، فهذه لا يسن لها ذكر معين. وريح أخرى عاصفة، هذه تخيف؛ لأن عادًا عذبهم الله -تعالى- بالريح العقيم -والعياذ بالله-، فإذا عصفت الريح فإنه لا يجوز لك أن تسبها؛ لأن الريح إنما أرسلها الله -عز وجل-، فسبك إياها سب لله -تعالى-، ولكن قل كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ). وبهذا الدعاء يحصل لك خيرها، ويزول عنك شرها. (أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ)؛ لأن هذه الريح قد تكون عاصفة شديدة تقلع الأبواب وتجث الأشجار وتهدم الديار. (وَخَيْرَ مَا فِيهَا) ما فيها أي: ما تحمله من أمور قد تكون نافعة، وقد تكون ضارة. (وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)؛ لأنها تارة ترسل بالخير، وتارة ترسل بالشر، فتسأل الله خير ما أرسلت به. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ)، فإذا استعاذ الإنسان من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به، وسأل الله خيرها، وخير ما فيها وخير ما أرسلت به كفاه الله شرها).
وقال -رحمه الله-: "واعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يتعلق بالريح في حصول المطر والغيث، والصحو، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من جنس الاستسقاء بالأنواء الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-. كثير من الناس يعلق رجاءه بالريح الجنوبي، يقول: إذا هبت الجنوب حصل الغيث، وتجد قلبه متعلقًا بها، وهذا لا يجوز؛ لأنها قد تهب ريح الجنوب كثيرًا ولا تأتي أمطار ولا غيوم. وقد يكون بالعكس تأتي الأمطار والغيوم من الريح الشمالي. فالأمر كله بيد الله عز وجل، فعليك أن تعلق قلبك بربك تبارك و-تعالى-، وألا تسب ما خلقه الله من الرياح، واسأل الله خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، واستعذ بالله من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، والله الموفق" (شرح ابن العثيمين لرياض الصالحين).
- وهذا النهي عن سب الرياح يدخل فيه كونها آية من آيات الله -تعالى-: قال الله -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) (الروم: 46)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (الفرقان: 48). وعن الشافعي -رحمه الله- قال: "لا ينبغي لأحدٍ أن يسب الرياح، فإنها خلق الله مطيع، وجند من أجناده، يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء".
وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن الريح: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ) (متفق عليه).
- ومن الظواهر المرتبطة بفصل الشتاء أيضًا حدوث الرعد والبرق وما قد يصاحب ذلك من الصواعق: قال الله -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) أي: خوفًا من الصواعق، وطمعًا في نزول المطر (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الروم: 24).
وقال الله -تعالى- في سورة الرعد: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ . وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) (الرعد: 12-13).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يخبر -تعالى- بأنه هو الذي سخر البرق، وهو ما يرى من النور اللمع ساطعًا من خلال السحاب، (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) أي: يخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة من الأرض. قال مجاهد: السحاب الثقال الذي فيه الماء. وقوله: (يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) كقول الله -تعالى-: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ). وقوله: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ) أي: يرسلها نقمة بها ممن يشاء، ولها تكثر في آخر الزمان. (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ) أي: يشكون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ).
قال ابن جرير -رحمه الله-: "شديدة مماحلته في عقوبة مَن طغى عليه وعتى وتمادى في كفره. وهذه الآية شبيهة بقوله -تعالى-: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) (النمل: 50-51)، وعن علي -رضي الله عنه-: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) أي: شديد الأخذ. وقال مجاهد: شديد القوة.
وقال الله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا) أي: يرسل سحابًا ويسوقه من جهة إلى أخرى بأناة ورفق (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) أي: ثم يصل بعضه ببعض (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا) أي: يجعل هذا السحاب متراكمًا بعضه على بعض (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) أي: فترى المطر يخرج من فتوق هذا السحاب المتراكم (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ) أي: من جهة السماء (مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) أي: ما يشبه قطع الحصى الصغير (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ) أي: يكاد ضوء برقه (يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) (النور: 43) (انظر: التفسير الميسر).
- وقد ضرب الله -تعالى- مثلًا لحال المنافقين بصورة لا تقع ولا تشاهد غالبًا إلا في فصل الشتاء الشديد: قال -تعالى-: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ . يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) أي: وقفوا وثبتوا في مكانهم متحيرين (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 19-20) (انظر: التفسير الميسر).
- كما ضرب الله -تعالى- مثلًا لبطلان أعمال الكفار وضياع ما ينفقون هباء بصورة أيضًا لا تحدث وتشاهد غالبًا إلا في فصل الشتاء الشديد: قال الله -تعالى- فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) أي: مثل ريح شديدة باردة نزلت بزرع فأهلكته (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (آل عمران: 116-117).
ولا شك أن فصل الشتاء يعد موسمًا للازدياد من العبادات الفاضلة، فقيام الليل هو أفضل الصلاة بعد الفريضة، ومن خصائص فصل الشتاء طول الليل فيه؛ فتزداد فرصة الاستكثار من قيام الليل فيه.
- ومن أفضل العبادات صوم التطوع: فإن عبادة الصوم لا عدل ولا مساو لها، ومن خصائص فصل الشتاء قصر نهاره فيسهل على المرء صيام التطوع فيه؛ لذا فقد ورد عن السلف قولهم عن فصل الشتاء أنها غنيمة المؤمن، وأنه الغنيمة الباردة؛ أي: الغنيمة التي لا كثير تعب أو مشقة في نوالها والحصول عليها.