كتبه/ عبد الرحمن راضي العماري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فرمضان كالموجة العذبة التي تغمر القلب، تغسله من أدرانه، وتفيض عليه أنوار الطاعة، ولكن ماذا بعد أن تنحسر هذه الموجة وينقضي شهر النفحات والبركات؟ هل يعود القلب إلى جفافه القديم؟ هل سيظل المرء بعد رمضان كما كان قبله أم هل يبقى أثر العمل والقرب، ويعظم الزاد الإيماني ويفيض فيكمل العبد سيره إلى الله على صراط مستقيم؟
إن من دلائل قبول الطاعة أن تتبعها طاعة، كما قال بعض السلف: "إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها" والحسنات تدل على أخواتها، وكذا السيئات.
عن عروة بن الزبير -رحمه الله- قال: "إذَا رَأَيْت الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْحَسَنَةَ فَاعْلَمْ أَنَّ لَهَا عِنْدَهُ أَخَوَاتٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ تَدُلُّ عَلَى أُخْتِهَا، وَإِذَا رَأَيْته يَعْمَلُ السَّيِّئَةَ فَاعْلَمْ أَنَّ لَهَا عِنْدَهُ أَخَوَاتٍ، فَإِنَّ السَّيِّئَةَ تَدُلُّ عَلَى أُخْتِهَا" (المصنف لابن أبي شيبة).
فالسعيد مَن جعل رمضان نقطة انطلاق ومحطة تزود، والمحروم من جعله محطة عبور عابرة، لا تترك أثرًا في مسيرته وليخش على نفسه أن يكون ممَّن خاب وخسر وإلا لوجد أثر الفوز والتوفيق فيما بعد الشهر.
رمضان كان مدرسة كبرى، تأخذ بيد القلب، فتعلمه المراقبة، وتغرس فيه التقوى، وتُلقنه الصبر، وتدربه على التوكل، وتذيقه لذة الذكر والقيام والتلاوة؛ فمن كان عاقلًا لم يفرّط في هذه الدروس، ولا يضيع هذه المنح، ولا يسمح لرياح الفتور أن تقتلع هذه البذور التي ألقيت في قلبه بمجرد أن انقضى الشهر.
الاختبار الأول بعد رمضان: يوم العيد:
يظن بعض الناس أن أول اختبار للاستقامة يأتي بعد رمضان بأيام أو أسابيع، لكن الحقيقة أن أول معالم القبول وأول اختبار للثبات يبدأ من يوم العيد ذاته!
إن يوم العيد في الشرع ليس يوم انفلات، ولا ينبغي أن يهدم المسلم ما بُني في نفسه خلال رمضان، بل العيد هو اختبار التخرج من مدرسة الشهر الكريم. فهل يخرج العبد منه بثبات على الطاعة، أم يكون كمن نقض غزله من بعد قوة أنكاثًا؟
يوم العيد هو اليوم الذي يفرح فيه المؤمن بطاعة الله، وتكتمل فرحته بعنايته بآداب العيد وسننه، واقتدائه بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، فلا يجعله يوم تساهل وفتور، بل يشغله بالخير. نعم هو يوم توسعة وترويح واستجمام، لكنه أيضًا يوم ذكر وشكر وصلة أرحام، وقد كان سلف الأمة يرون العيد موسمًا آخر من مواسم الطاعة، يتجلى فيه شكر النعمة، ودوام العبودية، وحمد الله على توفيقه للصيام والقيام.
ولذلك ينبغي للمسلم أن يتعرف على حِكَم العيد وشعائره؛ حتى لا يقع في فخاخ الفتن فيه، أو يضيع أثر رمضان الطيب بيديه. فالعيد عبادة كما كان رمضان عبادة، وإذا كان الصيام لله، فإن الفرح بالعيد لله أيضًا، فيكون الفرح مقيدًا بالآداب الإسلامية، مفعمًا بالذكر والتكبير والتواصل وصلة الرحم، وليس انفلاتًا في اللهو المحرم والغفلة.
العبودية لا تنقطع حتى اليقين:
إن الله الذي عبدناه في رمضان، هو رب الشهور كلها، فلا ينبغي أن يكون لله في رمضان حق، ثم نضيعه بعده! قال -تعالى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: 99)، واليقين هنا هو الموت، أي: أن العبادة لا تتوقف حتى نلقى الله.
وإنما المواسم الفاضلة فرصة لترميم النفوس وإصلاح ما فسد وتعويض التقصير واغتنام الأجور والنفحات، وليست وقت التعبد وما سواها تفلت وتفريط.
إذا كان رمضان قد ذهب، فماذا عن الصلاة؟ ماذا عن القرآن؟ ماذا عن قيام الليل؟ ماذا عن الصيام بعده؟ أمِن الوفاء أن تُهجر هذه الطاعات وكأنها لم تكن، وكأن لم تستشعر جمالها ولم تتذوق حلاوتها، ولم تندم على تقصيرك فيها وحرمانك من ملازمتها طوال العام؟
عقليات ونفسيات "رمضانية":
الأمة اليوم بحاجة إلى أناسٍ يعيشون بروح رمضان طوال العام، لا أقصد أنهم لا يأكلون في النهار أو يكثرون من السهر بالليل، ولكن أقصد أن تكون قلوبهم عامرة بالقرآن، أن تحافظ جوارحهم على المراقبة، أن تتنافس في أعمال البر، أن تكون نفوسهم مملوءة بالإحسان أن تكون يتواصوا بالخير كما كانت في رمضان.
نحتاج إلى شخصيات تسير بين الناس وهي تحمل في قلوبها أنوار رمضان، تحفظ ألسنتها كما حفظتها في الشهر الكريم، تتعامل بالإحسان كما كانت تفعل حين كانت صائمة، تُقبل على الطاعة بحب لا برتابة، تتذكر دائمًا أن الهدف ليس رمضان، بل الجنة!
وإذا كان كثير منا يقر بضرورة هذه المعاني، فيلزم أن نذكر بوسائل عملية لتحقيق الاستقامة بعد رمضان، وهذا ما سنتناوله في المقال القادم -بإذن الله-.