الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 25 يناير 2026 - 6 شعبان 1447هـ

الدعوة السلفية والعمل السياسي (6) (من تراث الدعوة)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالتدرج مبني على قضية القدرة والعجز، وليس على أننا نختار من شرع الله -عز وجل-، فلا يمكن أن نرى لأنفسنا خيارًا مع شرع الله، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب: 36).

ونحن وإن كنا نعلم أن الواقع غير إسلامي -سواء في مقاصده أو في آلياته، وسواء في تأصيله النظري أو في تطبيقه العملي-، إلا أننا نقول: إن المأمول المرجو المطلوب شرعًا سيظل ثابتًا، وأدلته لا تحتمل تنازلًا.

وعقيدتنا كذلك لا يمكن أن نتنازل عنها، فمسألة إقامة الدين في الأرض كلها، ومشروعية الجهاد لتحرير البشرية من الطواغيت، وإقامة الحدود وغيرها، لا يمكن أن تغيب عن حس مسلم، لكن هل نقدر على هذا الآن أم لا؟ وما الذي نقدر عليه منها؟ وما الذي نعجز عنه؟

وهكذا إذا طبقنا ميزان القدرة والعجز، وميزان المصلحة والمفسدة بالضوابط الشرعية؛ عند ذلك يقع -كأمر واقعي- نوع من التدرج، وليس أننا نحن الذين نحدد أحكامًا نقبلها وأحكامًا أخرى نؤجلها باختيارنا، فشرع الله -عز وجل- كامل، والله -سبحانه- أعلم بما كان وما سيكون، وهو أنزل القرآن كاملًا وحفظه -عز وجل- كاملًا، وتعبدنا بتلاوته والعمل به وتحكيمه، فليس بوسعنا أن نلغي آيات أو نكتمها، أو نضع أيدينا عليها -كما فعل اليهود!-.

أما عملنا بها فهو مبني على قدرتنا واستطاعتنا، فإذا عجزنا أو إذا لم نقدر على أمر معين إلا بمفسدة في ميزان الشريعة أعظم من مفسدة تركه، كان ذلك عجزًا في حقيقة الأمر؛ كما قال شيخ الإسلام: "خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابًا مطلقًا كقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (المائدة: 38)، لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرًا عليه والعاجزون لا يجب عليهم، والأصل أن هذه الواجبات تُقَام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه" (مجموع الفتاوى).

وفي الحديث عن بسر بن أرطاة قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لَا ‌تُقْطَعُ ‌الأَيْدِي ‌فِي ‌الْغَزْوِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وفيه ترك إقامة الحد "لاحتمال افتتان المقطوع بأن يلحق بدار الحرب، أو أنه إذا قطعت يده والأمير متوجِّه إلى الغزو لم يتمكن من الدفع، ولا يغني عنا، فيُترك إلى أن يقفل الجيش" (تحفة الأحوذي).

وفي هذا دليل ظاهر على اعتبار المصالح والمفاسد في إقامة الحدود، وبالتالي فنحن نقاوم كل باطل ولكننا ندرك أن هناك أشياء لا نستطيع تغييرها الآن، فقضية الأضرحة -مثلًا-: نحن نعتقد بطلان إقامة المساجد على القبور، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي لم يقم منه: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)، لَوْلَا ‌ذَلِكَ ‌أُبْرِزَ ‌قَبْرُهُ؛ ‌غَيْرَ ‌أَنَّهُ ‌خَشِيَ، ‌أَوْ ‌خُشِيَ ‌أَنْ ‌يُتَّخَذَ ‌مَسْجِدًا. (متفق عليه).

ونعتقد أن ما يصرف من عبادات -من دعاء واستغاثة، وطواف ونذر، ونحو ذلك- لأصحاب القبور شرك وكفر؛ قال الله -تعالى-: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ . وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس: 106-107)، وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر: 13-14).

لكن مسألة إزالة هذه الأضرحة، مسألة أخرى مبنية على كيفية التغيير، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- طاف بالكعبة في عمرة القضية وحولها ثلاثمائة وستون صنمًا؛ فهل كان هذا إقرارًا بالأصنام؟! كلا، بل كان لا يزال -ولم يزل- منكرًا عبادة الأوثان، وقد كسرها في فتح مكة، ولكن عندما طاف بها وكان قادرًا من جهة القوة المادية أن يزيل هذه الأصنام من مكة، ومع ذلك فإنه لم يكسرها؛ لأنه دخل مكة بالعهد الذي كان في الحديبية.

فتغيير المنكر -ولو كان هو الأصنام- أمر آخر غير اعتقاد كونه منكرًا، فالاعتقاد ثابت لا يجوز التنازل عنه، أما التغيير: فيتوقف على القدرة والعجز، والمصلحة والمفسدة.

ولذلك سيظل اعتقادنا في إقامة الحدود وقتل المرتد ومقاتلة الكفار مطابقًا لكتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، لكن متى نفعل نحن هذا؟ ومتى لا نفعله؟ وكيف نفعله حين يجب الفعل؟ هذه مسألة أخرى.

وفي سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنواع مختلفة من المعاملات مع الكفار، نختار منها الموافق لظروفنا وأحوالنا.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.