الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 25 يناير 2026 - 6 شعبان 1447هـ

صور من التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية (1-2)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتستند الولايات المتحدة في سياساتها مع دول أمريكا اللاتينية على مبدأ مونرو الذي أعلنه الرئيس الأمريكي "جيمس مونرو" في عام 1823، والذي وضع لتبرير تدخلها في دول أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية غير المساندة لسياسات الولايات المتحدة تحت ذريعة رعاية الأمن القومي أو منع خطر انتشار الشيوعية.

وقد استغل الرئيس الأمريكي "روزفلت" مبدأ "مونرو" لتبرير تدخل الولايات المتحدة في شؤون جمهورية الدومنيكان، وفي فنزويلا، وأثناء نزع بنما من كولومبيا، كما اعتمد رؤساء أمريكا اللاحقون على هذا المبدأ في ممارسة أنشطة واشنطن التوسعية في أمريكا الوسطى والجنوبية. وفي النصف الثاني من القرن العشرين استغلت الولايات المتحدة الخطر الشيوعي لتطبيق مبدأ مونرو على مدى أوسع ليشمل دولًا أخرى حول العالم مثل فيتنام.

في الولايات المتحدة يُطلق مجازًا تعبير "منظومة الشركة الأمريكية" على المنظومة المشتركة للشركات الأمريكية الكبرى، والتي تشكل عصب اقتصاد الولايات المتحدة وقاعدتها الرئيسية لبناء مجتمع الرفاهية حسب المفاهيم التي أصلتها النخبة في وجدان الشعب الأمريكي على امتداد قرنين من الزمان؛ مما جعل من الصعب الفصل بين أهداف هذه المنظومة ومجريات الأمور في الولايات المتحدة، حيث بسطت المؤسسة الاقتصادية الأمريكية نفوذها على باقي المؤسسات الأخرى السياسية والعسكرية والإعلامية والمخابراتية. ويشهد التاريخ الحديث على مدى تعبير سياسات الولايات المتحدة عن مصالح أولئك الذين يتحكمون في الدولة؛ خاصة في دول أمريكا اللاتينية، كالانقلاب ضد سلفادور أليندي في شيلي في السبعينيات، ومحاولة قلب نظام حكم شافيز في فنزويلا.

وكلها دلالات قوية لمن يتابع الأحداث الدولية على أن المصالح الخاصة لتلك الشركات هي بمثابة المصلحة العامة للولايات المتحدة؛ مما جعل العمل السياسي ينحسر في التفاعل المستمر مع مجموعات المصالح الاقتصادية التي تنافس للسيطرة على الدولة، وتحول معها النظام السياسي الأمريكي إلى نظام لحزب واحد ينقسم إلى جناحين: (جمهوري) و(ديمقراطي)، يسيطر على كليهما مجموعات متغيرة من قطاع الأعمال، ويشتركان في التوجهات الرئيسية للأيديولوجيا الأمريكية.

وتتقن منظومة الشركات الأمريكية استخدام المنظمات الدولية لخلق أوضاع تخضع الأمم الأخرى لاحتكار تلك الشركات الكبيرة وحكوماتها وبنوكها لتتحول إلى إمبراطورية كبرى تحكم العالم، من خلال تقديم خدمات اقتصادية كمنح القروض لتنمية البنية التحتية، وبناء محطات التوليد، ومد طرق رئيسية، وإنشاء موانئ ومطارات ومناطق صناعية، وتكون هذه القروض مشروطة بأن تتولى إدارة هذه المشروعات شركات إنشائية وهندسية أمريكية، بما يضمن ألا يخرج القدر الأكبر من أموال القروض من الولايات المتحدة، بل تنتقل من البنوك في واشنطن إلى الشركات الهندسية في نيويورك أو سان فرانسيسكو، أو غيرها.

وبالطبع تقوم تلك الدول التي حصلت على تلك القروض برد أقساط هذه القروض مضافًا إليها فوائدها، وكلما كانت تلك القروض كبيرة ازداد عجز الدول المقترضة عن سداد ما عليها من الديون خلال سنوات قليلة، فتقع تحت طائلة السيطرة والتوجيه من تلك الدول من خلال تصويتها في الأمم المتحدة، أو في السماح بإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها، أو الهيمنة على مواردها وثرواتها خاصة البترولية، ومع استمرار ثقل الديون على تلك الدول تضاف تلك الدول إلى إمبراطورية الولايات المتحدة الكبرى.

ومن أمثلة التدخل الأمريكي في شؤون دول أمريكا اللاتينية:

التدخل في جمهورية بنما:

تقع بنما في أقصى جنوب أمريكا الوسطى، يحدها البحر الكاريبي من الشمال والمحيط الهادئ من الجنوب، وكوستاريكا من الغرب، وكولومبيا من الجنوب الشرقي. وهي برزخ ضيق يربط بين قارتي أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وأهم ما يميزها هو وجود قناة بنما داخل أراضيها، وقناة بنما ممر مائي اصطناعي يربط بين المحيط الهادئ والبحر الكاريبي تم الانتهاء من شقه في عام 1914.

يبلغ عدد سكان بنما نحو 4.5 مليون نسمة، وتبلغ مساحتها نحو 75.5 ألف كيلومتر مربع.

كانت بنما جزءًا من كولومبيا عندما قرَّر المهندس الفرنسي فرديناند دي ليسيبس -الذي أشرف من قبل على بناء قناة السويس- بناء قناة تربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ عبر برزخ أمريكا الوسطى، وذلك بداية من عام 1881، ولكن رغم كل جهود الفرنسيين لتنفيذ هذا المشروع لم يتم تنفيذه.

ومع بداية القرن العشرين طالبت الولايات المتحدة كولومبيا بتوقيع معاهدة لوضع البرزخ تحت إشراف اتحاد شركات أمريكا الشمالية، لكن كولومبيا رفضت.

في عام 1903 أرسل الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت أسطولًا حربيًّا إلى هناك، حيث قبض جنود الأسطول على قادة الميليشيا المحلية، وأعلنوا بنما دولة مستقلة. ونصبوا حكومة شكلية (صورية) عميلة، وتم التوقيع على معاهدة القناة الأولى. وبها أعطت أمريكا لنفسها حق التواجد والتدخل العسكري، وأصبح لواشنطن السيطرة الفعلية على تلك الدولة الحديثة، والتي يقال عنها: إنها دولة مستقلة، وهكذا أجبرت بنما على الانفصال عن كولومبيا لخدمة الولايات المتحدة.

وقد ظلت بنما ما يزيد عن نصف قرن تحكمها أقلية من العائلات الثرية التي تربطها بواشنطن علاقات وثيقة، كما تدخلت القوات العسكرية الأمريكية لعدة عقود في الشؤون الداخلية لبنما في مرات عديدة. وقد سيطرت الولايات المتحدة على قناة بنما والمنطقة المحيطة بها وقامت بإدارتها قرابة 85 عامًا.

وفي عام 1968 وبعد انقلاب تولى عمر توريخوس الحكم في بنما -وكان توريخوس يتمتع بتقدير من الطبقة المتوسطة واحترام الطبقات الفقيرة من الشعب في بنما- كان توريخوس يؤمن بالإصلاح الاجتماعي ومساعدة الفقراء، لكنه لم يؤيد الشيوعية، وفي عهده لم تعد بنما دمية في يد واشنطن أو غيرها، وقد قدمت دولته الصغيرة نموذجًا جيدًا للإصلاح الاجتماعي.

كان توريخوس يؤمن أن بنما لها حقوقها الشرعية في أن تمارس سلطاتها التامة المطلقة على شعبها وعلى أراضيها، وعلى المسطحات المائية التي تمر خلال أراضيها. كان لتوريخوس دوره في الدفاع عن حقوق الإنسان ورئيسًا لدولة فتحت ذراعيها للاجئين السياسيين، وكان له صوت مؤثر في جانب العدالة الاجتماعية، واعتقد كثيرون أنه سيرشح لجائزة نوبل للسلام.

وبعد مفاوضات ناجحة واتفاقيات جديدة مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر تم نقل ملكية قناة بنما إلى سيادة بنما؛ أي: أن توريخوس أرغم الولايات المتحدة على التخلي عن قناة بنما وتركها لأصحابها، وذلك في عام 1977. وكان على إدارة البيت الأبيض العمل على إقناع الكونغرس الأمريكي بقبول هذا الأمر، وبالفعل وبعد معركة طويلة وضارية استمرت حتى التصويت الأخير للكونغرس الأمريكي تم التصديق على اتفاقية القناة بفارق صوت واحد فقط، وكان كبار قادة الجيش الأمريكي ساخطين على تلك الاتفاقية.

ورغم تعرض توريخوس للتهديد خاصة من الشركات العالمية، لكنه رفض الإذعان لتلك التهديدات. وقد رفض بعد ذلك وبصلابة الاستسلام لطلبات إدارة الرئيس الأمريكي ريغان بشأن إعادة التفاوض في معاهدة القناة، فكانت كراهية الرئيس ريغان له معلنة وصريحة، وكذلك كراهية بوش نائب الرئيس، وكراهية وينبرغر وزير الدفاع، وكراهية هيئة أركان الجيش الأمريكي؛ إضافة إلى كراهية أكثر من مدير تنفيذي في الشركات العالمية ذات النفوذ.

وفي 31 يوليو 1981 قُتل توريخوس في حادث اصطدام طائرة، تحطمت الطائرة الصغيرة التي كان يستقلها عائدًا إلى البيت الذي يمتلكه في كوكلسيتو في جبال بنما.

(حزن الناس في كل مكان لموت هذا الرجل الذي حاز سمعة طيبة بوصفه مدافعًا عن الفقراء والمهمشين، وعلت الأصوات مطالبة واشنطن بأن تفتح التحقيقات في أنشطة المخابرات الأمريكية، مع ذلك لم يكن مثل هذا التحقيق ليحدث أبدًا) (ينظر: الاغتيال الاقتصادي للأمم، اعترافات قرصان اقتصادي، تأليف جون بيركنز، ترجمة مصطفى الطناني ود. عاطف معتمد، ط. دار الطناني للنشر والتوزيع، ط. أولى 2008، ص 182).

بعد وفاة توريخوس تولى حكم بنما مانويل نورييغا، والذي بدأ حكمه بالسير على خطى سلفه. وشرع في محاولة شق قناة جديدة بتمويل من اليابان، ولاقى مشروعه معارضة شرسة من قِبَل واشنطن والشركات الأمريكية الخاصة؛ إذ انتابت الإدارة الأمريكية المخاوف من احتمال سيطرة اليابانيين في النهاية على مشروع شق تلك القناة، إلى جانب تحسب احتدام المنافسة التجارية؛ إذ إن دخول اليابانيين في المنافسة يعني فقد الشركات الأمريكية مليارات الدولارات.

مع الوقت اكتسب نورييغا سمعة سيئة باتهامه بالفساد وتجارة المخدرات، وفي ديسمبر 1989 قامت الولايات المتحدة بغزو بنما من خلال هجوم جوي وقصف عنيف للسكان العزل في بنما العاصمة بدعوى إسقاط نورييغا، وأضمرت النيران في أحياء كبيرة من العاصمة، ووقعت أضرار بمناطق عمرانية مهمة، وأرسلت الولايات المتحدة من جنودها من يقتل الأبرياء في بنما، وتم اعتقال نورييغا، وإرساله إلى ميامي في الأراضي الأمريكية ليواجه المحاكمة، حيث حكم عليه بالسجن لمدة أربعين سنة بتهمة انتهاك القانون الأمريكي. وعلى مدى ثلاثة أيام من الغزو لبنما منع الجيش الأمريكي الإعلاميين والصليب الأحمر وغيرهم من المراقبين الأجانب من دخول المناطق التي طالها القصف الأمريكي المدمر، بينما كان الجنود يدكون البيوت على ساكنيها. وقد قدرت منظمات حقوق الإنسان عدد القتلى في هذه الأحداث ما بين ثلاثة إلى خمسة آلاف قتيل بالإضافة إلى 25 ألف مشرد.

(كان العالم غاضبًا لانتهاك القانون الدولي والتدمير غير المبرر لشعب أعزل على يد أقوى جيش على وجه الكرة الأرضية، غير أن الكثيرين في الولايات المتحدة لم يكونوا على دراية لا باستياء العالم ولا بالجرائم التي ارتكبتها حكومتهم. كانت التغطية الصحفية محدودة للغاية) (ينظر: المصدر السابق، ص 201).

التدخل في جمهورية الإكوادور:

جمهورية الإكوادور دولة من دول أمريكا الجنوبية، تقع في شمال غرب قارة أمريكا الجنوبية، تحدها كولومبيا من الشمال، وبيرو جنوبًا وشرقًا، بينما يحدها المحيط الهادئ غربًا. وهي تقع على خط الاستواء. عاصمة الإكوادور هي كيتو، ومدينة غواياكيل أكبر مدنها. وتعد جزر غالاباغوس في المحيط الهادئ تابعة للإكوادور، وهي تقع على بعد حوالي ألف كيلومتر في المحيط الهادئ غرب بر الإكوادور. وعملة الإكوادور الرسمية هي الدولار الأمريكي، ولغتها الرسمية الإسبانية. ومساحة الإكوادور حوالي 285 ألف كيلومتر مربع. تشتهر الإكوادور بمناظرها الطبيعية الخلابة وثرواتها النباتية والحيوانية المتنوعة، والغابات المطيرة الرطبة في حوض الأمازون إلى جبال الأنديز. وهي تعتمد على تصدير البترول الخام، والصادرات الزراعية مثل الموز والكاكاو. وهي تعاني من ارتفاع معدلات الجريمة والعنف والتي ترتبط بتجارة المخدرات، خصوصًا في مدينة غواياكيل، وفي بعض المناطق الحدودية.

تمتد كيتو العاصمة عبر وادي بركاني في جبال الأنديز على ارتفاع 9 آلاف قدم، وقد اعتاد سكانها على مشاهدة الثلوج على القمم الجبلية المحيطة بهم رغم أنهم يقطنون على بعد أميال قليلة من جنوب خط الاستواء.

وقد دفعت الإكوادور دفعًا إلى اقتراض الديون نظرًا لوجود مخزون من البترول تسبح فوقه غابات الأمازون في الإكوادور ووجود احتياطي يُعتقد أنه منافس لحقول بترول الشرق الأوسط. وقد أُقيمت مدينة شل التي تنخفض عن كيتو بثمانية آلاف قدم لخدمة شركة البترول التي تحمل اسم شل أيضًا، وأغلب سكان هذه المدينة من عمال البترول والجنود؛ إضافة إلى السكان الأصليين بالمنطقة من قبائل شوار وكيشوا الذين يعيشون على الصيد والزراعة.

وقد حاول رجال القبائل وجيرانهم الوقوف أمام شركات البترول الأمريكية لمنعها من تدمير منازلهم وقراهم وأراضيهم. وكانت شركة تكساكو قد اكتشفت في أواخر الستينيات وجود البترول في منطقة الأمازون في الإكوادور، وقد مُدَّت الأنابيب لنقل البترول عبر جبال الأنديز في الإكوادور لمسافة ثلاثمائة ميل؛ مما ترتب عليه اختفاء مساحات كبيرة من الغابات المطيرة وكادت الفهود والببغاوات أن تنقرض، وأوشكت الحضارات المحلية على الاندثار، مما دفع سكان تلك المناطق إلى محاولة التصدي لهذا التعدي، كما أُلقيت في الأنهار وفي حفر في الأرض ملايين الغالونات من النفايات البترولية والمعادن الثقيلة ومخلفات الحيوانية القشرية، وتركت هذه الشركة وراءها 350 حفرة مكشوفة من المخلفات.

وقد أصبح البترول الخام يمثل ما يقرب من نصف صادرات الإكوادور التي يبلغ عدد سكانها حوالي 18 مليون نسمة. ولا يزال القضاء على الفقر فيها يمثل تحديًا كبيرًا، ففي منتصف عام 2023 كان حوالي 27% من السكان يعيشون تحت خط الفقر (أقل من 90 دولارًا في الشهر)، بينما يعيش نحو 11% في فقر مدقع (أقل من 50 دولار شهريًّا).

وتعد الإكوادور نموذجًا للبلاد التي أدخلها قراصنة الاقتصاد إلى حظيرة الاقتصاد السياسي، فمن بين كل مائة دولار من عائد البترول الخام المأخوذة من الغابات تتحصل شركات البترول على 75 دولارًا، أما الـ25 دولارًا الباقية فتذهب ثلاثة أرباعها لسداد الديون الخارجية، ومعظم ما يتبقى يذهب لتغطية شؤون الجيش وغيره من النفقات الحكومية، ويتبقى دولاران ونصف الدولار فقط لنفقات الصحة والتعليم والبرامج التي تهدف لمساعدة الفقراء. وهكذا فمن كل 100 دولار من ثمن البترول المستخرج من الأمازون لا ينال المواطنون المحتاجون منها إلا أقل من ثلاثة دولارات.

هؤلاء المواطنون الذين تؤثر السدود والأنفاق وخطوط الأنابيب على حياتهم بشدة، والذين يموتون نتيجة نقص الطعام والماء الصالح للشرب. (ينظر: الاغتيال الاقتصادي للأمم: اعترافات قرصان اقتصادي، تأليف جون بيركنز، ص 27).

ولكن كيف تم ذلك؟

لقد أغرقت الإكوادور في الديون الخارجية بسبب المشاريع الاقتصادية التي قامت بها لما بدأ الاستغلال الفعلي للبترول في حوض الأمازون الإكوادوري في أواخر الستينيات من القرن العشرين، وأسفر عن فتح شهية الاستهلاك التي جعلت العائلات الحاكمة في الإكوادور تأخذ البلاد إلى براثن البنوك الدولية، فقد أثقلوا كاهل دولتهم بكم كبير من الديون على وعد بالدفع من خلال عائدات البترول. انتشرت الطرق والمنشآت الصناعية، إلى السدود المقامة عليها محطات توليد الكهرباء وأنظمة النقل وتوزيع الكهرباء، وأُنشئت مشروعات قوية أخرى في أرجاء الدولة مرة أخرى أثرى ذلك النظام المكاتب الهندسية الدولية وشركات البناء والتعمير. (راجع المصدر السابق، ص 165).

وأصبح عليها أن ترصد جزءًا كبيرًا من ميزانيتها لتسديد هذه الديون بدلًا من استخدامها لمساعدة الملايين من مواطنيها المصنفين تحت خط الفقر المدقع. والطريقة الوحيدة التي تستطيع بها الإكوادور سداد هذه الديون الخارجية التي تكبلها هي أن تبيع غاباتها لشركات البترول. (المصدر السابق: 26).

ظهور خايمي رولدوس:

كان رولدوس أستاذًا جامعيًّا ومحاميًا، يمتلك شخصية قيادية قوية، استطاع أن يرسخ سمعته قائدًا شعبيًّا ووطنيًّا، بدأ حملته الانتخابية عام 1978 ولفت إليه الأنظار، كان يتطلع إلى استغلال أكبر ثروات البلاد الطبيعية وهي البترول بما يعود بالنفع على أكبر عدد من السكان، وكان يؤمن بواجب الدولة في مساعدة الفقراء والمحرومين، وعبَّر بوضوح عن آماله بأن يجعل من سياساته البترولية وسيلة للإصلاح الاجتماعي، وقد أقنعت سياسته البترولية شعب الإكوادور لاختياره لكرسي الحكم.

وتولى بالفعل حكم البلاد في العاشر من أغسطس عام 1979، فكان أول رئيس منتخب بعد زمن طويل من حكم الديكتاتوريين، فانصرف إلى محاربة استغلال شركات ذات نفوذ وسطوة لبترول بلاده، وتنبأ الكثيرون أن واشنطن وأصحاب المصالح الاقتصادية الضخمة لن يسمحوا له بما يتطلع إليه.

لم يكن رولدوس شيوعيًّا ولم يتحالف مع روسيا أو الصين ولا مع حركة الاشتراكية العالمية، لم يكن ضد الولايات المتحدة ولكنه كان وطنيًّا وقائدًا شعبيًّا يفكر في مصلحة بلاده، ويقف إلى جانب حقوق شعبه في تقرير مصيره، ويرفض أن تكون حكومته متواطئة مع الشركات الضخمة والبنوك الدولية ضد مصالح بلاده.

في بدايات عام 1981 قدَّم رولدوس قانون الهيدروكربون الجديد إلى مجلس تشريع الإكوادور، وهو قانون منظم لاستكشاف وبيع البترول ومشتقاته والغاز الطبيعي، والذي يهدف إلى إعادة تشكيل علاقة الدولة بشركات البترول، وتغيير الأسلوب الذي يُدار به العمل، مما أدى إلى تعرض رولدوس إلى حملة من شركات البترول واللوبي المناصر لهم في كيتو وفي واشنطن لتشويه سمعته، ولكن رولدوس لم يتراجع، وعليه صدرت التشريعات التي أملاها على المجلس التشريعي. وبعد إلقاء خطاب له وتوجهه إلى قرية صغيرة في جنوب الإكوادور لقي رولدوس مصرعه في حادث تحطم طائرة مروع في الرابع والعشرين من مايو 1981، وأعلنت الصحف في دول أمريكا اللاتينية صراحة اغتيال رولدوس على يد المخابرات الأمريكية وسط شكوك كثيرة تدعم هذا الزعم.

وقد صرَّح شهود بأن رولدوس سبق وتلقى تهديدات بقتله؛ لذا اتخذ الاحتياطات الأمنية، ومنها كان السفر على طائرتين هليكوبتر، ويوم الحادث واللحظة الأخيرة استقل الطائرة التي شهدت مصرعه، ويُعتقد أنها كانت مفخخة. (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 178).

قال جون بيركنز في اعترافاته: (فليس لدي أدنى شك في أن قتل رولدوس لم يكن حادثًا، فكل دلائل الحادث تؤكد أنها عملية اغتيال رتبت لها رجال المخابرات الأمريكية "سي آي إيه". في رأيي أن تنفيذ العملية جاء بهذه الفجاجة والوضوح لتكون رسالة تهديد. فلكي تستكمل إدارة ريغان الجديدة صورة راعي البقر في أفلام هوليوود بسرعته المعهودة في سحب سلاحه، كانت تلك الفجاجة هي الوسيلة المثلى لبعث مثل هذه الرسالة، إنها تعد إنذارًا بعودة ثعالب المخابرات) (ينظر: المصدر السابق، ص 181).

وقد تولى أوزفالدو أورتادو رئاسة الإكوادور بعد رولدوس، وأطلق بنهاية العام برنامجًا لزيادة التنقيب عن البترول لشركة تكساكو وغيرها من الشركات الأجنبية في خليج غواياكيل وحوض الأمازون.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.