أثر العربية في نهضة الأمة (26)
كتبه/ ساري مراجع الصنقري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقضية "اللغة العربية في التعليم" من أخطر وأهمّ القضايا التي يجب أن نقفَ عندها، في ظلّ التحديات والعقبات التي تواجهها اللغة العربية تعليمًا وتَعلُّمًا وانتشارًا وممارسة.
وينبغي أن يكونَ طرح هذه القضية طرحًا عمليًّا واقعيًّا، يلزم منه الاعتراف بعدم نجاح المؤسسات التعليمية في تزويد الطُّلّاب بمهارات اللغة الأساسية، القراءة والكتابة والاستماع والمحادثة وغيرها.
وعدم النجاح في هذا أسبابه كثيرة، أهمُّها: المُعلِّم، ومناهج الدراسة؛ فأمّا مناهج الدراسة فتفتقر إلى ما يحتاجه الطالب في تنمية مهاراته اللغوية، التي هي أساس تكوين شخصيته في التواصل مع الآخَرين في حياته العلمية والعملية.
ومؤسساتنا التعليمية تعرقل نفسها بنفسها، فمدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا تُدرِّس موادَّها الأساسية باللغة الأجنبية؛ فتُظهر للطالب وتُؤصِّل في قرارة نفسه عدم وضع اللغة العربية في أولى اهتماماته، وأنَّها لا تُؤثِّر في مصيره ومستقبله بقدر ما تؤثر اللغة الأجنبية، ممّا يجعل الطالب غير جادٍّ في أن يستفيد حقًّا من اللغة العربية.
وأمّا مُعلِّم اللغة العربية فلا يمتلك المهارات التي تُؤهِّله إلى جعل الطالب مُحِبًّا للغته قادرًا على التأثر بها والتفاعل معها، وفاقد الشيء لا يُعطيه، وإنَّما غايته هو سكب المعلومات على الطلاب إلى حدّ الإغراق! وحشو أدمغتهم بالقواعد والمسائل إلى حدّ تَوقُّف الذاكرة! وهدفه الوحيد من ذلك هو أن يُحصِّل الطالب ما يتجاوز به الامتحانات وينال أعلى الدرجات، ولا يُبالي بعدها بحال الطالب ومآله!
فنضَّر الله أيّامًا كان أثر لغتنا الجميلة في شُعوبها كما قال أُسْقُفُ قرطبة -أكبر مدن أوربّا في القرن العاشر-: "إنّ اللغة العربية قد فتنتنا بعُذوبة ألفاظها وبلاغة إنشائها، حتى لا نكاد نجد فينا مَن يقرأ الكتب المُقدَّسة باللاتينية، وشبابنا الأذكياء لا يعرفون غير لغة العرب وآدابهم، وكُلَّما قرؤوا كتبها ودرسوا آدابها ازدادوا شغفًا وإعجابًا بها، وقد حذقوا اللسان العربيَّ حتى لَيكتبونه نثرًا ونظمًا بأُسلوبٍ أنيقٍ يفوقون به العرب أحيانًا" (انتهى).
ونلتقي -بإرادة الله- في المقال القادم.
وبالله نستعين، وعليه نتوكل.