كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- الإشارة إلى استكمال الحديث عن اسم الله "الجبار" على المعنى الثاني (جبر القوة والقهر). (انظر الموعظة السابقة).
تذكير بمجمل كلام العلماء حول معنى اسم "الجبار" في حق الله على معنيين:
الأول: جبر الرحمة والإصلاح، فإنه -سبحانه- يجبر الضعيف بالغنى والقوة، ويجبر الكسير بالسلامة، ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها وإحلال الفرج والطمأنينة فيها؛ وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله. (وسبق الكلام حول هذا المعنى في المرة السابقة).
الثاني: جبر القوة والقهر، فهو -سبحانه وتعالى- الجبار الذي يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته، فكل جبار وإن عظم فهو تحت قهر الله -¸- وجبروته في يده وقبضته، وفيه آية سورة الحشر المتقدمة. وهو موضوع حديثنا اليوم بإذن الله.
وقفات مع اسم الله "الجبار" على معنى جبر القوة والقهر:
الوقفة الأولى: الجبار -سبحانه- لا يخرج شيء عن إرادته:
فالجبار -سبحانه- على هذا المعنى يتضمن القدرة والقوة والقهر، والحكم والإرادة، وسائر صفات العلو والسلطان؛ فضلًا عن العلم والحكمة والخبرة وسائر صفات الكمال: قال -تعالى-: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر: 23).
- فهو بمعنى "القادر الحاكم"، فيقدر ما يشاء ويقضي بما يشاء، والعباد مقهورون تحت سلطانه واختياره (قسمة الأرزاق والقوة والضعف، والفقر والغنى، والنصر والهزيمة، والموت والحياة، والبعث والنشور، وغير ذلك): قال -تعالى-: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (يس: 82)(1)، وقال -تعالى-: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32).
- وهو بمعنى "القاهر القهار" لكل شيء.. الذي دان له كل شيء، وخضع له كل شيء، وهو بمعنى "القوي" الذي لا يدانيه في ذلك أحد، وعن ابن عمر: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَ-تعالى- عَمَّا يُشْرِكُونَ)، قال -صلى الله عليه وسلم-: (يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ أَنَا الْجَبَّارُ أَنَا الْمُتَكَبِّرُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْعَزِيزُ أَنَا الْكَرِيمُ) فرجف برسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنبر حتى قلنا: لَيَخِرَّنَّ به (رواه أحمد، وصححه الألباني).
- وإذا اجتمعت هذه المعاني واستحضرها المؤمن، وهو ينظر إلى كثير من الجبارين من المخلوقين اطمأن قلبه وسكنت نفسه بأن له ربًّا "جبارًا" (يقصم الجبارين ويذل المتكبرين مهما بلغت قوتهم): قال -تعالى-: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ) (الأنبياء: 11)، وقال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: 6-14)، (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ) (فصلت: 15-16).
الوقفة الثانية: الجبار في المخلوق مذموم في الدنيا هالك في الآخرة:
- صفة الجبار بمعنى القوة والقهر صفة ذميمة في حق المخلوق، وقد ذم الله -تعالى- المتجبرين من خلقه وتوعدهم بالعذاب الشديد، فاحذر أن تتصف بها: قال -تعالى-: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: 35)، وقال -تعالى-: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) (إبراهيم: 15-17)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتِ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ...) (متفق عليه).
- لذا كان من كمال عدله -سبحانه- أنه يكسر المتجبرين في الدنيا ويذلهم في الآخرة: قال -تعالى- في حق فرعون: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (يونس: 92)، وقال -تعالى-: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ . ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ . ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (الدخان: 47)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).
الوقفة الثالثة: تساؤل.. لماذا يترك "الجبار" سبحانه الجبارين لا يكسرهم ويذلهم بمجرد ظلمهم؟
الجواب من وجهين:
الأول: لأنه "الحليم" -عز وجل-، فهو يحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم فلا يعاقبهم على الفور، بل يستتيبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا: قال -تعالى-: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) (الأنفال: 38).
- وهو -سبحانه- مع حلمه الواسع بالعاصين وإمهاله لهم ليتوبوا؛ إلا أنه لا يهملهم إذا أصروا واستمروا في طغيانهم فإنه عند ذلك يغضب عليهم، وإذا غضب -تعالى- لم يقف لغضبه شيء: قال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود: 102).
الثاني: يسلطهم على المؤمنين لحِكَم جليلة(2).
1- لأنه لا تمكين للمؤمنين إلا بعد امتحان وابتلاء: قال الله -تعالى- عن طبيعة الطريق إلى الجنة: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة: 214).
2- ليتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب (الشدائد كاشفة): قال -تعالى-: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) (آل عمران: 179)، وقال -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت: 2-3).
3- تعريف المؤمنين سوء عاقبة المعصية وأن الذي يصيبهم إنما هو بشؤم مخالفة أمر الله ورسوله؛ ليكونوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظة وتحرزًا من أسباب الخذلان: قال -تعالى- عن أثر مخالفة أمر الرسول يوم أحد: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 152).
4- استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء (التوبة - الصبر - الدعاء - الثبات - الاحتساب - ...): قال -تعالى- عن حال أوليائه عند الشدة: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (آل عمران: 146-147).
5- لأنه لو نصرهم دائمًا وأظفرهم بعدوهم في كل موطن وجعل لهم التمكين والقهر لأعدائهم أبدًا؛ لطغت نفوسهم وشمخت وارتفعت، فلو بسط لهم النصر والظفر لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء: قال -تعالى-: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) (الشورى: 27).
6- لأن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو: قال -تعالى- بعد مقتل السبعين يوم أحد: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 140)، وقال: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: 104).
7- لأنه سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
فاللهم يا جبار انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الكفار والمشركين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المقصود من جبره وقهره -سبحانه- لعباده ما يتعلق بأمره الكوني القدري.
(2) من كلام ابن القيم -رحمه الله- في "زاد المعاد" حول معركة "أحد"، بتصرفٍ واختصارٍ.