كتبه/ محمد شكري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فليست قوة الأفكار وحدها كافية لبقاء المشروعات وامتدادها؛ فكثير من الكيانات تمتلك رؤية واضحة، وعقولًا متخصصة، وأهدافًا كبيرة، لكنها تضعف مع الوقت؛ لأنها تفتقد الجيل القادر على حمل الفكرة، وفهمها، ونقلها، وربطها بالناس والواقع.
فالمشروعات لا تقوم على أكتاف المنظّرين الكبار وحدهم، ولا يكفي فيها وجود المتخصص المؤصِّل فقط، بل تحتاج إلى طبقة واعية تحفظ تماسك الفكرة، وتنقلها، وتصنع امتدادها بين الأجيال.
وهنا تظهر أهمية "القيادة الوسطى"؛ ذلك الجيل الذي يقف بين التأصيل والانتشار، وبين المتخصصين والعامة، وبين الجيل المؤسس والجيل الذي يُبنى بعده، فالقيادة الوسطى ليست مجرد طبقة إدارية أو تنظيمية، بل هي حلقة الوصل التي تحوّل المعاني الكبرى من مجرد تصورات نظرية إلى واقع حيّ يتحرك بين الناس.
وكم من فكرة عظيمة بقيت حبيسة الكتب؛ لأنها لم تجد من يحملها!
وكم من مشروع قوي بدأ متقدًا ثم خبا؛ لأنه افتقد هذا الجيل الذي يفهم الفكرة، ويحسن نقلها، ويصنع لها الامتداد والاستمرار!
ومن هنا تظهر أهمية بناء هذا الجيل؛ جيلٍ يتعلم باستمرار، ويتحرك بوعي، ويحسن التربية والتواصل، ويعرف قدر نفسه، ويرجع إلى المتخصصين، وفي الوقت ذاته يحمل همَّ البناء والامتداد، لا مجرد الحضور أو التلقي، فالقيادة الوسطى هي الجيل الثاني في بناء الكيانات والمشروعات والأفكار، وهي طبقة لا تقوم على التخصص الدقيق وحده كحال الجيل الأول من المنظّرين والمتخصصين، وإنما تقوم على القدرة على الفهم الجيد، وحسن النقل، والتربية، والانتشار، مع الاستمرار في طلب العلم والارتقاء المعرفي ولو بالقليل الدائم.
فالجيل الأول مع قدرته على تبسيط العلوم لعمق فهمه، لكنه غالبًا ينفرد بالتأصيل ويتخصص بالتنظير، أما القيادة الوسطى: فتفهم الفكرة فهمًا صحيحًا، وتنقلها بلغة واضحة، وتحسن تبسيطها للناس، وتربط بين المتخصص وبين عامة الصف أو المجتمع، وتُنشئ بيئة قادرة على الامتداد والاستمرار.
ولا يُشترط في الناقل أن يبلغ درجة التخصص الكامل، لكن يُشترط فيه: الأمانة العلمية، وصحة الفهم، ومعرفة حدوده، والرجوع إلى أهل التخصص فيما يُشكل، وألا يتصدر فيما لا يُحسن، فالقيادة الوسطى ليست مجرد "ناقلة للكلام"، بل هي طبقة تمتلك وعيًا عامًا، وكفاءة حركية وتنظيمية، وقدرة على التواصل والتربية، وحسن فهم للواقع مع عبادة ذاتية واستمرار في التعلم.
وقد ظهر أثر هذه الطبقة بوضوح في كثير من التجارب العلمية والدعوية والمؤسسية عبر التاريخ: فمدرسة الإمام الشافعي -مثلًا- لم تنتشر بعبقرية الإمام وحده، بل كان هناك جيل من التلاميذ والنقلة الذين فهموا مذهبه، وقرّروه، وعلّموه للناس، وحملوه إلى البلدان، فكانوا حلقة الوصل بين التأصيل العلمي وبين انتشار العلم في الأمة، وكذلك دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب؛ فمع وجود العلماء الكبار والمؤصلين، كان لطبقة الأئمة والمعلمين وطلبة العلم دور أساسي في نقل الفكرة، وتربية الناس عليها، وربط العامة بأهل العلم، مما ساهم في رسوخ الدعوة واستمرارها عبر الأجيال، بل إن هذا المعنى ظاهر حتى في الشركات والمؤسسات الحديثة.
فالرؤية والإستراتيجية قد يضعها المؤسس أو الإدارة العليا، لكن تحويل هذه الرؤية إلى واقع يعتمد غالبًا على طبقة القيادة الوسطى من: مديري الفرق، والمشرفين، وقادة الأقسام، الذين ينقلون الفكرة إلى الموظفين، ويتابعون التنفيذ، ويحافظون على استقرار المؤسسة واستمرارها؛ ولهذا فإن كثيرًا من المؤسسات لا تضعف فقط بغياب القادة الكبار، بل حين تنهار طبقة القيادة الوسطى التي تربط بين الرؤية والتنفيذ.
ومع ذلك، فإن باب التخصص يظل مفتوحًا لأفراد هذا الجيل، فإذا تهيأت لأحدهم القدرة والفرصة للتعمق والتأصيل، كان ذلك زيادة في الخير والقوة؛ إذ إن من أعظم صور النضج أن يجتمع في الإنسان حسن الفهم، وكفاءة الحركة، وعمق التخصص معًا.
ومن أهم وظائف هذا الجيل: أنه يُنشئ الجيل الثالث؛ الجيل الذي ينبغي أن يخرج منه متخصصون ومنظّرون جدد، وبذلك يستمر البناء، ولا يبقى المشروع معتمدًا على أفراد معدودين. فالمشروعات لا تنهض بالمتخصصين وحدهم، ولا تستمر بالناقلين وحدهم، وإنما تقوم على تكامل: المتخصص المؤصِّل، والقيادة الوسطى الناقلة المربية، ثم جيل جديد يُعاد بناؤه على هذا الأساس.