الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 25 يناير 2026 - 6 شعبان 1447هـ

وهم اكتساب المهارات.. حين نُراكم المعرفة ونُفلس في الأثر!

كتبه/ محمد صادق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

مقدمة:

في زمنٍ صار فيه التعلّم متاحًا بضغطة زر، وتدفّقت فيه الدورات والملخّصات والمقاطع القصيرة، نشأ داءٌ خفيّ: أن نعرف كثيرًا… ونفعل قليلًا.

نقرأ، نستمع، ندوِّن، ثم نطمئن أننا "تعلّمنا"! لكن الواقع لا يتغيّر، والسلوك لا يتحرّك، والأثر لا يظهر. هنا يولد وهم اكتساب المهارات.

ما هو وهم اكتساب المهارات؟

- هو حالة يختلط فيها الشعور بالكفاءة بحقيقة الكفاءة؛ فيظنّ الإنسان أنه امتلك مهارة، بينما لم يتجاوز عتبة المعرفة النظرية.

- يعرف المصطلحات، يشرح الخطوات، لكنّه لا يُنجز.

- المهارة ليست ما تفهمه، بل ما تُحسن فعله حين تُطالب بالعمل.

الجذور التربوية للوهم:

- تديُّن معرفي بلا عمل: نقرأ عن الإخلاص، ولا ندرّب النفس عليه.

- ثقافة الاستهلاك: نستهلك المحتوى بدل أن نُنتج أثرًا.

- قياس خاطئ للتعلّم.. نُقوِّم بالحضور لا بالتغيّر.

- هروب من المواجهة.. التعلّم أسهل من التطبيق، والتطبيق يكشف العجز.

ملامح الوهم في الواقع الدعوي:

- داعية يُحسن التنظير ولا يلامس قلوب الناس.

- مربٍّ يتحدّث عن الاحتواء ولا يُحسن الاستماع.

- طالب علم يحفظ المتون ولا يُحسن تنزيلها على الناس.

- ليست المشكلة في قلّة العلم، بل في انفصال العلم عن المقصد.

لماذا هذا الوهم خطير؟

يُنتج ثقة متضخّمة بلا كفاءة.

يُربِّي أجيالًا "تتكلّم" ولا "تفعل".

يُبدِّد الجهد الدعوي في حلقات مفرغة من التعلّم غير المؤثّر.

والأخطر: أنه يُلبس العجز ثوب الطمأنينة.

الميزان النبوي.. من العلم إلى العمل:

- الميزان التربوي الصحيح لا يسأل: كم تعلمت؟

- بل يسأل: ماذا غيّر هذا العلم فيك وفيمن حولك؟

- العلم الذي لا يُثمر خشية، ولا يُصلح سلوكًا، ولا يُخفّف ألمًا… حُجّة على صاحبه.

كيف نكسر الوهم؟ (منهج عملي):

- تعلّم بقصد النفع: تعلّم لأن هناك إنسانًا ينتظر نفعك.

- كل معرفة تُربط بتكليف.. ماذا سأفعل بها هذا الأسبوع؟

- التقليل من الاستهلاك وزيادة الإنتاج.. اكتب، درّب، جرّب، أخطئ.

التقويم بالسلوك لا بالشهادة.. ما الذي تغيّر فعليًا؟

في التربية والدعوة:

ربِّ الناس على:

- مهارة تُمارَس لا مفهوم يُحفَظ.

- عبادة تُعاش لا فكرة تُقال.

- أثر يُرى لا خطاب يُصفَّق له.

خاتمة:

وهم اكتساب المهارات ليس نقصًا في الذكاء، بل غيابٌ عن الصدق مع النفس، فالطريق إلى الأثر لا يبدأ بمعلومة جديدة، بل بخطوة شجاعة:

أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نعمل بما نعلم؟

سؤال للتأمل:

ما المعرفة التي تحملها منذ زمن ولم تتحوّل بعد إلى عملٍ يُغيّر واقعك أو واقع غيرك؟