كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن انكسار العبد لربه -عز وجل- من أسباب سلامته ونجاته من الهلاك والطغيان؛ قال -تعالى-: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: 6-7).
ومتى تذلل العبد لمولاه -تبارك وتعالى-، وفتح باب الانكسار وولج منه إلى الله؛ هبَّت عليه نسائم الرحمة، واستشعر لطف ربِّه وقربه -جل في علاه- منه.
جاء في كتاب الزهد للإمام أحمد: "أن موسى عليه السلام قال: أي رب، أين أبغيك؟ قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم".
ومن أعظم ما يوجب للعبد حال الانكسار للملك العلام -تبارك وتعالى-: أن يستشعر وقوفه بين يدي ربه وسؤاله عن كل صغيرة وكبيرة، وأن أعماله كلها معروضة عليه.
وشهر شعبان هو شهر رفع الأعمال إلى الله -تعالى-؛ قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لأسامة بن زيد -رضي الله عنهما- لما سأله: يا رسولَ اللهِ! لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قال: (ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).
ولو قيل لأحدنا: إنك على موعدٍ ولقاءٍ مع مَن يستعرض ويقيِّم أعمالك في عامك بأكمله، وسيترتب على ذلك اللقاء إما الثواب وإما العقاب؛ فهل كان يغفل عن هذا اللقاء ويعرض عنه؛ أم تراه سيجتهد غاية الاجتهاد لاستثمار هذه الفرصة وإظهار أكمل وأحسن ما عنده؟!
فكيف والله -تبارك وتعالى- هو الذي ستُعرض عليه أعمالنا وأقوالنا، ولا يخفى عليه شيء مِن أحوالنًا صغيرًا كان أو كبيرًا؟!
إن استحضار رفع الأعمال في شعبان يفتح للعبد بابًا عظيمًا من أبواب الانكسار إلى الله: فإن مَن يستحضر أن عمله يُعرَض على الله؛ يستصغر طاعته، ويستعظم تقصيره في حق ربه، ويخشى من ردِّ عمله، فيتفكر في وقوفه بين يدي مولاه، وحاله حين يلقاه؛ فيقبل على إحسان العمل والاستعداد ليوم اللقاء، وطلب مغفرة ما سلف من الزلات والسيئات.
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أعظم المتواضعين والمنكسرين لله -تعالى-، ولا يفارقه هذا الحال، يزداد انكسارًا وإقبالًا على الله -تعالى- في شهر شعبان؛ فقد كانت عنايته -صلى الله عليه وسلم- بشهر شعبان عناية عظيمة، حتى إنه لم يكن يصوم شهرًا بعد رمضان أكثر من صيامه في شعبان، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلّى الله عليه وسلّم- اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ" (متفق عليه)، وفي رواية: "وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلًا" (رواه مسلم).
فاختار النبي -صلى الله عليه وسلم- عبادة الصيام ليكثر منها في شعبان؛ لأنها عبادة يمتد زمنها ويطول وقتها، مع ما يكون عليه العبد مع ذلك مِن الصلاة، والذكر والاستغفار، وقراءة القرآن، فيعظم الأجر والثواب.
ولأن عبادة الصيام يتحقق فيها الانكسار لله -تبارك وتعالى-؛ قال ابن القيم -رحمه الله-: "وهذا -والله أعلم- هو السر في استجابة دعوة الثلاثة: المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكسرة التي في قلب كل واحد منهم، فإن غربة المسافر وكسرته مما يجده العبد في نفسه، وكذلك الصوم فإنه يكسر سَورة النفس السبعية الحيوانية ويذلها" (مدارج السالكين).
فهنيئًا لمن عرف قدر هذا الشهر الذي يغفل عنه أكثر الناس؛ فتاب ورجع إلى مولاه، وتقرَّب إليه بكل محبوب إليه، رجاء أن يُرفع عمله إلى الله وهو في أحبِّ أحوال العبودية إليه.
قال ابن الجوزي: "أتعتقد أن التوبة قول باللسان؟ إنما التوبة نار تحرق الإنسان، جرِّد قلبك من الأقذار، ثم ألبسه الاعتذار، ثم حله حُلةَ الانكسار، ثم أقمه على باب الدار" (التبصرة).
نسأل الله أن يستعملنا في طاعته، وأن يبلغنا رمضان ويبارك لنا فيه.