كتبه/ جمال فتح الله عبد الهادي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جعل الله -تعالى- الاختلاف بين بني البشر قدرًا مقدورًا، فقال -سبحانه-: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود: 118)، ومن يتأمل الكون يرى الاختلاف باديًا فيه.
وقد كان سلف هذه الأمة يختلفون، لكن الملاحظ على اختلافهم أنه كان اختلاف أفكار وعقول، وليس اختلاف أرواح وقلوب، وهو فرق جوهري أدركوا به حقيقة الاختلاف، فاختلاف الفكر المبني على الاجتهاد بالدليل المعتبر هو اختلاف محل تقدير واحترام. والاختلاف المبني على الهوى ليس اختلافًا معتبرًا؛ لأنه ليس له حظ من النظر والأثر. على أن هناك اختلافًا محرمًا، ألا وهو اختلاف النفوس والقلوب، ذلك الاختلاف الذي ينشأ عنه تفرق المسلمين وخصامهم.
إن الداء الأكبر الذي استشرى في زماننا وأدى إلى ظهور التناقضات هو غياب آداب الحوار التي أرى أنها أولى الأولويات وأهم المهمات.
ويضرب لنا سلفنا الصالح مثالًا في كيفية الاختلاف؛ فهذا يونس بن عبد الأعلى، أحد تلاميذ الإمام الشافعي -رحمه الله-، كان قد اختلف مع الشافعي في مسألة، وظل كل منهما يدافع عن رأيه بحججه وبراهينه، فما زال كل منهما يدلي بدلوه حتى غضب يونس وقام تاركًا درس الشافعي متجهًا إلى بيته.
وظل يونس بن عبد الأعلى غاضبًا على محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله- حتى أقبل الليل، وسمع يونس باب منزله يطرق، فسأل: "من بالباب؟" فقال الطارق: "محمد بن إدريس". فقال يونس: "فتفكرت في كل من كان اسمه محمد بن إدريس إلا الشافعي". فلما فتح الباب فوجئ بأنه الشافعي، فقال الشافعي كلمات تنم عن نهج السلف الصالح في كيفية الاختلاف، فقال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "يا يونس، تُجَمِّعنا مئات المسائل وتفرِّقنا مسألة!"
فقواعد الحوار والاختلاف وضوابطه هي العاصم للمتحاورين من الغلو وشتم الآخرين، إن كان الحق هو الرائد والمطلوب، أما إذا كان الخلاف انتصارًا لأهواء وتعصبًا أعمى، فهذا أمر لا تنفع معه قواعد ولا ضوابط؛ إذ إن الهوى ليس له ضوابط ولا موازين.
ولقد حذَّرنا الله -عز وجل- من اتباع الهوى فقال: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (القصص: 50).
أهداف الحوار ومقاصده:
1- إقامة الحجة: الغاية من الحوار إقامة الحجة، ودفع الشبهة والفاسد من القول والرأي، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى القول الحق.
2- الدعوة: الحوار الهادئ مفتاح للقلوب وطريق إلى النفوس، قال -تعالى-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125).
3- تقريب وجهات النظر: من ثمرات الحوار تضييق هوة الخلاف، وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حل وسط يرضي الأطراف ولا يخالف الشرع.
4- كشف الشبهات: والرد على الأباطيل بإظهار الحق وإزهاق الباطل.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.