الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 24 أغسطس 2026 - 11 ربيع الأول 1448هـ

(رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) (2)

كتبه/ وائل عبد القادر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل في هذا المقال كلامنا على حديث: (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ).

معنى: (وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا): أي: رضيت بشريعة الإسلام وما فيها من الحدود والمعالم والمحرمات والمحللات، وبما هي عليه دينًا ألتزمه ولا أفارقه.

فأنت كمسلم توقن بكفاية الإسلام وكماله وعدله واعتداله وتوازنه ووسطيته، وقد عجزت البشرية عبر تاريخها الطويل عن أن توجد نظامًا كاملاً يحكم علاقات البشر، فعجزت عن ذلك حتى اقتبست من شريعة الله -تعالى- ما اقتبست.

فالمسلم الموفق قد قنع واكتفى، وامتلأ قلبه كمالًا وإجلالًا بشريعة الإسلام عقيدةً وسلوكًا وخلقًا ومعاملةً، ونبذ وترك وهجر كل ملة ودين غير دين الإسلام.

ومقتضى أن ترضى بمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا: أن تصدق بكل ما جاء به، وأن تؤمن وتعمل بكل ما بلغه عن رب العزة -جل وعلا-، وأن تطيعه ظاهرًا وباطنًا؛ لأنَّ الله -تعالى- قال: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65).

وكذلك أن ترضى بأخلاقه فتتخلق بها؛ لأنه كان -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس خلقًا، وأن تتبعه وتطيعه في كل ما أمر ونهى؛ لأنَّ طاعته من طاعة الله -تعالى- القائل: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء: 80). وجعل -تعالى- في طاعته الرحمة والهداية فقال سبحانه: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (آل عمران: 132)، وقال: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف: 158)، وقال: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) (النور: 54).

ومن ثمرات الإيمان بالله والرضا به ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا: أنَّ الجزاء من جنس العمل، فيرضيك الله -تبارك وتعالى-. وقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى وَإِذَا أَصْبَحَ ثَلَاثًا: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَبِيًّا، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

والتقدير: كان إرضاؤه حقًّا على الله يوم القيامة. وحقًّا معناه: واجبًا، ولا يجب على الله -تعالى- شيء، إلا أنه إذا وعد بشيء أو إذا قال شيئًا لا يخلف وعده، فيكون كالواجب عليه، وإذا عمل عبد عملاً صالحًا يعطيه ثواب عمله تفضلًا ورحمة منه.

وقد طبقت هاجر -عليها السلام- هذا اليقين حين هاجرت مع زوجها نبي الله إبراهيم -عليه السلام- ومعها رضيعها إسماعيل -عليه السلام-، تركهما إبراهيم -عليه السلام- في وادٍ غير ذي زرع، قالت: يا إبراهيم إلى مَن تتركنا؟ قال: إلى الله. قالت: "رضيت بالله"، وفي رواية: قالت: "آلله أمرك بهذا؟" قال: "نعم". قالت: "إذًا لَا يُضَيِّعُنَا" (رواه البخاري).

فلمَّا رضيت بالله ربًّا، أرضاها الله -عز وجل- ولم يضيعها، وأجرى على يديها وعلى يدي ابنها الخيرات والبركات.

كذلك من الثمرات: أنَّ هذا الرضا سببٌ لمغفرة الذنوب؛ كما في الحديث: (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ) (رواه مسلم).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.