الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 20 يوليه 2026 - 6 صفر 1448هـ

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (265) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (5)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -عز وجل-: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ . وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ . فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (العنكبوت: 16-27).

الفائدة الثانية:

قوله -تعالى-: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 16)، دليل على أنَّ تحقيق العبودية لله وتقواه سبب الخير للعبد في الدنيا والآخرة، وسعادة الدنيا والآخرة مرتبطة بتحقيق العبودية والتقوى؛ قال -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97).

والشقاء في الدنيا والآخرة إنما هو بالإعراض عن دين الله وذكره وطاعته وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ قال الله -تعالى-: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى . وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (طه: 124- 127).

وأمَّا الشقاء في الآخرة، فقال -تعالى-: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ . خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (هود: 106- 107).

فإذا كان عذابهم بالنَّفَس شهيقًا وزفيرًا؛ فكيف بما هو أشد من ذلك: من طعام الزقوم، وشراب الحميم، ولباس القطران، والفراش والغطاء من النار؟! كما بيَّن الله ذلك في مواضع من كتابه، مع ألم الحسرة والندم المستمر إلى أبد الآبدين بعد ذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: "يا أهل الجنة خلود لا موت"، ويقال: "يا أهل النار خلود لا موت"، وقرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذكر ذبح الموت: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (مريم: 39).

فالعبادة والتقوى والإيمان خير لكلِّ مَن التزم بها، وإنما يدرك هذا الذين يعلمون، وبدون ذلك لا يكون هناك علم ولو كانوا علماء بأمور الدنيا؛ قال -تعالى-: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم: 6- 7).

فجعل الله علوم الدنيا كلها مع الغفلة عن الآخرة عدم علم، فلا يجوز وصف علماء الدنيا من الكفار مهما بلغت علومهم بأنهم علماء؛ لأنَّ علومهم لم تنفعهم، فصاروا كالشمعة تحترق لتضيء شيئًا صغيرًا من الدنيا لغيرها.

الفائدة الثالثة:

قال الله -تعالى- عن إبراهيم الخليل -عليه السلام-: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (العنكبوت: 17)، دليل على شرك قوم إبراهيم -عليه السلام- ومنهم أبوه، رغم مَن يعارض ظاهر القرآن ليزعم أنَّ آباء الأنبياء يستحيل أن يكونوا كفارًا، والقرآن نص في ذلك: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الأنعام: 74)، فكان ضلالهم بعبادة الأوثان والأصنام، منها ما شُكِّل على شكل مخلوقين، ومنها ما يكون رموزًا كالأحجار والأشجار التي يعظمونها، كاللات على قول مَن قرأها: "أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ وَالْعُزَّى" (النجم: 19). وفي تفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان رجلًا يلت السويق للحاج على صخرة فعظموا الصخرة، وعلى القول الآخر أنه اسم مؤنث من اسم الله -عز وجل-، وهو الصحيح.

فكان قوم إبراهيم -عليه السلام- جعلوا الأوثان والأصنام رموزًا للنجوم التي تصرِّف الكون في زعمهم واعتقادهم الفاسد. وكذلك كل مَن عبد حجرًا أو قبرًا أو ضريحًا أو رمزًا اختلقه بلا دليل عقلي ولا نقلي، وجعله يدبر الأرزاق أو يصرف الأفلاك أو جعله مدبر الكون كله، كما يعتقده غلاة الصوفية والرافضة في قبور الصالحين، وقد جعلوا منهم "القطب الغوث" الذي يدبر أمور الخلق كلهم: أرزاقهم وحياتهم ومماتهم، وكل هذه الأمور تمر من عنده! ولذا أجازوا طلب الأرزاق من هذا "القطب الغوث" على اختلافهم فيمن هو، بل وأجازوا طلب خلق الأجنة في بطون العواقر، وعندهم أنهم هم الذين يحيون ويميتون!

ومن ذلك ما في قصة الدسوقي والطفل والتمساح، فيروون هذه الخرافة: "أنَّ التماسيح كثرت في النيل على عهد إبراهيم الدسوقي، فخطف تمساح منها صبيًّا، فجاءت أمه إلى إبراهيم الدسوقي، فأرسل أحد أتباعه فوقف على شاطئ النيل وقال: "يا معشر التماسيح، مَن اختطف منكم صبيًّا فليأت به"، فخرج التمساح وهو يقول: "سمعًا وطاعة لسيدي إبراهيم الدسوقي، ومن كرامته عليَّ ألا أدخل عليه إلا وأنت على ظهري" (قلتُ: ولم يبينوا كيف يركب رجل على ظهر تمساح وهو يزحف على الأرض)، قال: فلمَّا دخل عليه قال: "أخرج الصبي"، فأخرجه حيًّا يلعب (قلتُ: فزعموا أنه أحيا الصبي من بطن التمساح بعد أيام من أكله وتقطيعه)، ثم قال له: "مُتْ الآن" (قلتُ: فنسبوا إليه أنه أمات بقوله دون آلة من الآلات)، فمات من ساعته، ثم أشار إلى النيل بيده فانحرف النيل عن قرية دسوق!".

ويبررون الانحراف القريب من هذه القرية بهذه الإشارة، فنسبوا له الإحياء والإماتة وتدبير أنهار الأرض!

وعندهم في قصة الشيخ الشهاوي ومريده: الذي أرسله الشهاوي ليبشِّر بأوراد الطريقة في السودان، فغضب الشيخ المرغني وقبض روح الرجل (قلتُ: وأين هم من قول الله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) (الزمر: 42)، وقول إبراهيم -عليه السلام-: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) (البقرة: 258)؟!)، فجاء المريدون إلى الشيخ وقالوا: "أدرك صاحبنا فقد قبض الشيخ المرغني روحه" (قلتُ: هم صدَّقوا أنَّ الشيخ المرغني قبض روح الرجل!). قال الشهاوي: "فطرت إليه مع أحد المريدين فوجدت الجنازة قد وُضعت ووقف الشيخ المرغني ليصلي عليه، فوقفت بينه وبين الجنازة وقلت له: لماذا قبضت روح الرجل؟" (قلتُ: كذلك الشيخ الشهاوي صدَّق أنَّ المرغني هو الذي قبض روحه، كأنهم لم يقرأوا القرآن!). فقال المرغني للشهاوي: "الملك ملكي، أفعل فيه ما أشاء!" (قلتُ: وكأنه لم يمر على عشرات الآيات والأذكار النبوية وفي العبادات التي تثبت أنَّ الله وحده هو الذي له الملك يفعل ما يشاء: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) <الملك: 1- 2>).

فقال الشهاوي للمرغني: "أليس لك شريك في الملك؟" (قلتُ: غاية الشهاوي أن يثبت أنَّ هناك شركاء للمرغني وأنه ليس وحده الذي له الملك). فقال المرغني: "لا، لا شريك لي في الملك" (نعوذ بالله من الشرك، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير).

قال الشهاوي: "فتوجهت إلى قبر السيد البدوي ليدرك الرجل قبل أن يدفن" (قلتُ: أيضًا لم يذكروا فعلاً لله -عز وجل- ولا طلبًا منه، وإنما الأولياء يحيون ويميتون ويُلجأ إليهم في إحياء الموتى!). قال: "فبينما نحن على ذلك إذ جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرعبنا نحن الاثنين" -(أي: هو والمرغني)-، "فرد روح الرجل فقام الرجل يمشي كالمجنون"، ثم شكا له أنه كلما طلب باب رزق لم يجد رزقًا، فقال له -(أي: الشهاوي)-: "إنَّ الشيخ المرغني حين قبض روحك شطب رزقك" -(نعوذ بالله)-، وإنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين رد روحك لم يرد عليك رزقك، فليس لك رزق إلا في أرزاق الناس" "قلتُ: وكأنَّ الرزق من أرزاق الناس ليس رزقًا من الله! هؤلاء الذين يقال لهم: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ) (العنكبوت: 17)".

وعندهم بعد "القطب الغوث" "الأقطاب الأربعة" كل منهم يدبر ربع الكون -على اختلافهم فيهم بالتأكيد-، ثم "الأبدال الأربعون"، ثم "النجباء السبعون"، ثم مائة وأربعة وعشرون ألف ولي. وكل هذا من الخرافات التي يظنون أنهم أخذوها من "الكشف والإلهام"، وقد أكدوا أنه لا توجد عليها أدلة من الكتاب أو السُّنة، ولا بالقطع من أدلة عقلية محسوسة، بل هم كما قال تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم: 28).

والحق الذي أوجب الله اتباعه هو نصوص الوحي المنزل على الأنبياء، والحكمة التي أجراها على ألسنة رسله: (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (البقرة: 151).

وقد انقطع الوحي بموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن بقي الفهم في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وليست هذه الخرافات منها.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.