الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
السبت 14 مارس 2026 - 25 رمضان 1447هـ

العشر الأواخر من رمضان.. (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإنَّ الانشغال بالعشر الأواخر من رمضان، والفوز فيها بالمغفرة والرحمة من الله خيرٌ من كلِّ ما يجمعه الناس؛ فلا يستحق شيء -مهما كان- أن ينشغل به المسلم عن شرف هذا الزمان الفاضل، وأن يفرِّط في هذه الأيام والليالي المباركة التي فيها ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر؛ قال -تعالى-: (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (آل عمران: 157)، وقال: (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 32).

مغفرة الله ورحمته هي الغاية العظمى:

ولأنَّ مغفرة الله ورحمته هي أعظم وأعلى ما يطمح إليه المسلم، جاء التأكيد من النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- على هذا المعنى الشريف، وذلك لَمَّا سألته عائشة -رضي الله عنها-: يا رسول الله، أرأيت إن وافقتُ ليلة القدر ما أدعو؟ قال: (تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) (رواه الترمذي، وابن ماجه، وصححه الألباني).

فلم يرشدها -صلى الله عليه وسلم- إلى طلب الأموال أو الجاه والسلطان، أو ما تشتهيه الأنفس وتتمناه في الدنيا من متاع وشهوات، وغير ذلك، وإنَّما ذكر لها هذا الدعاء المختار لتعمير تلك الليالي الفاضلة به، بل لم يذكر لها حتى أن تسأل الله -تعالى- أن يجعلها مستجابة الدعاء فيكون مع المرء كنزٌ لا ينفد أبد الآباد، فإنَّه إن ظفر بإجابة الدعاء، كان كلما دعا بشيء بعد ذلك استجيب له؛ كما نُقِل عن الإمام ابن العربي -رحمه الله- أنَّه قال: "ينبغي لِمَنْ ظفر بليلة القدر أن يسأل إجابة الدعاء ليظفر بكنز ينفق منه أبد الآباد"، فردَّ على ذلك ابن علان -رحمه الله- فقال: "وفيما أشارت إليه عائشة مِمَّا ذَكَر غنية عن ذلك، وغيره؛ فالخير في الاتباع" (ينظر: الفتوحات الربانية على الأذكار النووية).

والحق ما ذكره ابن علان -رحمه الله-؛ إذ ليست السعادة في أن يعطى الإنسان كل ما أراد، بل قد يكون هذا من أسباب الشقاء، وقد يسأل العبد ما يشتهي من نعيم الدنيا فيُعطى ما يطلبه، فلا يجد في ذلك فرح أو سرور، وهنا يتجلَّى قوله -تعالى-: (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (آل عمران: 157)، وقوله -عز وجل-: (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 32).

فضل سؤال العفو في ليلة القدر:

- سؤال الله العفو في تلك الليالي المباركة يحصل فيه للعبد أعظم مطلوب -إن أعطاه-، وهو: مغفرة الخطايا والذنوب. والله -تعالى- إن عفا عن العبد ومحا ذنبه -إذ من معاني العفو: محو الذنوب- استقبل عبده بما يدهشه من فضله وعطائه ورضوانه؛ فإنَّ من معاني العفو الزيادة كما قال -تعالى-: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة: 219).

- فَمَنْ فاز في هذه الليلة فهو الفائز حقًّا: فإنَّه يرجع بمغفرة الله وعفوه -سبحانه-؛ قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (رواه البخاري ومسلم). (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) أي: "تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه، وطلبًا للأجر لا لقصد آخر مِنْ رياء أو نحوه" (فتح الباري).

- وسؤال العفو من الله في تلك الليالي المباركة: لأنَّ هذا هو الأحب إلى الله، والمؤمن يختار المحبوب إلى الله على هوى نفسه ومرادها؛ فالعفوُّ من أسماء الله تعالى؛ أي: الذي يتجاوز عن سيئات عباده، ويمحو آثارها عنهم، وهو يحب العفو فيحب أن يعفو عن عباده، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض.

- ولأنَّ في طلب العفو من الله في تلك الليالي مع غاية الاجتهاد فيها في طاعة الله: التذلل من العبد لربه والافتقار إليه، والانكسار بين يديه، والله يحب من عبده ذلك؛ قال ابن رجب -رحمه الله-: "وإنَّما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأنَّ العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملاً صالحًا ولا حالاً ولا مقالاً فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر قال يحيى بن معاذ -رحمه الله-: ليس بعارف مَنْ لم يكن غاية أمله من الله العفو" (لطائف المعارف).

فاللهم إنَّك عفو تحب العفو فاعفُ عنا.