الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 06 مارس 2026 - 17 رمضان 1447هـ

العصبية الفارسية ودورها في مضاعفة خطر بدعة التشيع (1)

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فعبر عدة عقود استسهل كثيرٌ من الإسلاميين أن يُوصف النظام الإيراني بأنه الخادم الأمين للمشروع "الصهوأمريكي"، وبالتالي فكلما حدثت حلقة من حلقات الصراع بين الطرفين سارع هؤلاء إلى التأكيد على أنها تمثيلية. 

والواقع أن النظام الإيراني المعاصر شديد التعصب لمذهبه الشيعي، وهذا المذهب يرى أن أهل السنة أكفر من الكفار الأصليين؛ ومِن ثَمَّ فطبيعي جدًّا بالنسبة للنظام الإيراني أنه لو وجد مجالًا للتحالف مع هؤلاء الكفار ضد أهل السُّنة أن يتحالف معهم ضد أهل السنة الذين يمثِّلون خصمًا مشتركًا لهما؛ كما أن هذا النظام -لاعتبارات قومية ثم لاعتبارات أيضًا تتعلق بهذا المذهب الشيعي- لديه غلو في التعصب للقومية الفارسية، ومِن ثَمَّ تحالفت الدولة الصفوية -الأب الروحي للنظام الإيراني المعاصر- مع البرتغاليين ضد الدولة العثمانية في قضية وجودية للعالم الإسلامي ككل!

إذًا ليس في تحالف إيران مع الغرب ضد السنة أي شيء يمكن استغرابه؛ فهو أمر يسير في مساره الطبيعي -من كونه اجتماعًا على عدو مشترك-؛ صحيح أن هناك بعض صور التعاون يكون فيها أحد الأطراف تابعًا بشكل كامل للآخر (كحالة حزب الله مع إيران مثلًا)، أو يكون تابعًا بنسبة كبيرة جدًّا (كحالة الحوثيين مع إيران مثلًا). 

الصراع الإيراني الصهيوأمريكي وأبعاده الإستراتيجية: 

ولكن في حالة النظام الإيراني مع الجانب الصهيوأمريكي ليس الأمر كذلك؛ لأن العداء للسنة وإن مثَّل مساحة مشتركة بين الجانبين، ولكن في المقابل يوجد بينهما صراع شديد بسبب رغبة إيران في استعادة الإمبراطورية الفارسية، ورغبتها من أجل ذلك في امتلاك السلاح النووي، ومؤخرًا رغبتها في الدخول في تحالف مع الصين وروسيا لتكوين قوة عالمية جديدة صاعدة. 

وكان النظام الإيراني يراهن على أنه كلما قدَّم خدمات كبيرة في جانب معاداة السنة، كانت أمريكا أكثر مرونة معه في الآخر؛ كما تحدَّث أحمدي نجاد -الرئيس الإيراني الأسبق- عن تلك الخدمات الجليلة التي قدَّمتها بلاده لأمريكا في العراق وأفغانستان (هي خدمة بلغة المصالح، وواجب ديني بلغة الانحراف الشيعي، ولكن توصيفها الصحيح: أنها خيانة للأمة)، ولكن أمريكا لا تريد دولة نووية جديدة خشية من أن تتحالف حينها مع روسيا والصين بشكل مباشر، أو تحاول هي أن تكون شرطي المنطقة؛ فضلًا عن التخوفات الإسرائيلية من وجود أي قوة عسكرية لدولة عربية أو إسلامية، حتى ولو كان نظامها معاديًا لجمهور المسلمين من أهل السنة. 

القدرات العسكرية الإيرانية والحرب بالوكالة: 

لقد أثبتت الأحداث أن النظام الإيراني أنفق على الملف النووي، وعلى أنواع معينة من التسليح دون أن يهتم بتكامل احتياجاته العسكرية، ومن أبرزها: الدفاع الجوي مثلًا. 

ومن الواضح أن النظام الإيراني اكتفى بتكوين ميليشيات مجاورة لإسرائيل (أبرزها حزب الله) لكي تكون جاهزة للحرب بالوكالة بدلًا من إيران، وعلى أرض غير أراضي إيران، وهذا ما فتح شهيته لتكوين أذرع أخرى ما بين الحوثيين في اليمن، والحشد الشيعي في العراق. وحاولت مع الفصائل الفلسطينية، وللأسف وصلت لمراحل ما من الارتباط لم ترقَ إلى أن تكون أذرعًا، ولكن حملت بعض فصائل المقاومة الفلسطينية على الترويج الدائم لإيران وتصويرها على أنها منشغلة بهموم العالم الإسلامي (سوف نخصص مقالًا لمناقشة الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية -إن شاء الله-). 

واستمر الحال على هذا فترة طويلة: كلما وصل الخلاف "الأمريكي - الإيراني" إلى طريق مسدود، تحدث حرب بالوكالة بين إسرائيل وحزب الله، وكان من أبرزها: ما حدث في عام 2006م. 

المتغيرات الأخيرة والضربات المباشرة: 

حتى كانت أحداث السنتين الأخيرتين، واستطاعت فيهما إسرائيل أن تحدَّ جدًّا من قدرات حزب الله وغيره، ومِن ثَمَّ كانت الجرأة على توجيه ضربات مباشرة لإيران تصاعدت وتيرتها حتى كانت تلك الموجة الأخيرة، والتي انتهت بمقتل المرشد الإيراني، وعدد كبير من القادة. 

وفي حركة غلفتها إيران بدعوى أنها تضرب القواعد الأمريكية في بلاد الخليج، وفي الواقع إنه مما نجحت فيه أمريكا أن توهم الدول النفطية أنها واقعة تحت تهديد إيراني أو روسي، ومِن ثَمَّ فلا أمان لها إلا بإقامة قواعد أمريكية على أراضيها، وهي فكرة كانت تحتاج إلى الكثير من البحث من كافة الاتجاهات، بل الذي حدث أنها أصبحت ذريعة لتهديد حقيقي، وهو أمر ممكن أن يتكرر من أي أحد يكون في حالة حرب مع أمريكا، ولعل هذا المعنى أن يكون حاضرًا في ذهن متخذي القرار في البلاد العربية، ولكن الذريعة الإيرانية لا تنسجم مع الواقع؛ حيث كانت معظم الضربات الإيرانية موجهة إلى أهداف غير القواعد الأمريكية، بل إلى أهداف غير عسكرية أصلًا. 

ولا ندري: هل الضربات الإيرانية للدول العربية جاءت كنوع من تهدئة الداخل الإيراني أن هناك ردًّا على العدوان الأمريكي حتى لو غير مباشر، أم جاءت من باب استدراج الدول العربية للدخول في صراع عسكري معها لعله يشجع أمريكا على التراجع والاكتفاء بدور المحرض الذي يبيع أسلحة للطرفين كما فعلت في حرب العراق وإيران؟! 

نصيحة للدول العربية والتعامل مع الموقف: 

وعلى أيٍّ فالنصيحة للدول العربية ألا تستدرج لهذا الصراع، وأن تنشغل وبأقصى سرعة ممكنة بترميم العلاقات العربية - العربية والعلاقات بين الدول الإسلامية بصفة عامة، وأن يهرعوا إلى التوجيه القرآني: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103)

وفي ظل الجرائم الشيعية المتواصلة ضد أهل السنة، وجدنا بعض مَن أظهر الفرح بالضرب الصهيوأمريكي لإيران -لا سيما في بلاد سوريا-، ولكن من يفرح لهذا يغفل أن الانتساب العام لكلمة "لا إله إلا الله" له حق طالما لم يأتِ قائلها بناقض لها، بل حتى لو أتى بناقض مما يحتمل التأويل لا يكفَّر حتى تقام عليه الحجة (والشائع من أقوال الشيعة "الاثني عشرية" أنه من هذا القبيل، بخلاف الشيعة "السبئية" ومن قال بأقوالهم من باقي الشيعة). 

إننا مع معرفتنا بفداحة ما عندهم من بدع، ومع معايشتنا لما ارتكبوه من فظائع، فإننا رغم هذا كله نبقي لهم حق الانتساب المجمل للإسلام؛ إلا مَن صرَّح منهم بالأمور الكفرية التي لا عذر فيها بالجهل؛ كتصديق الإفك في عائشة -رضي الله عنها-، والقول بتحريف القرآن. 

موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الرافضة: 

وهذا ما بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-؛ حيث سُئِلَ -رحمه الله تعالى- عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة؟ فأجاب: "الْحَمْدُ لِلَّهِ، كُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَنْ كَفَرَ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْمُؤْمِنِ بِذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْبِدْعَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِدْعَةَ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كُفَّارٌ كُفْرًا مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَالْمُبْتَدِعُ إذَا كَانَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا مُخَالِفٌ لَهُ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا بِهِ؛ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ يَكْفُرُ فَلَيْسَ كُفْرُهُ مِثْلَ كُفْرِ مَنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (الفتاوى الكبرى).

وحتى من باب المآلات؛ فإنه لو أنك غضضت الطرف عن القدر المجمل من الحق الذي عند الشيعي -وإن أضاف إليه انحرافات وضلالات طالما لم تصل إلى أن يُفتى بكفره بعينه-، فإنه سيظل بينك وبينه ولاء على المعنى الإجمالي لكلمة التوحيد. وانظر إلى مآلات الزهو الصهيوني من تحقيق انتصارات بكل هذه السهولة على دولة طالما قدَّمت نفسها قائدة الممانعة! 

وعلى أيٍّ فنحن معشر أهل السنة محتاجون إلى تكثيف الدعاء والتضرع لله -عز وجل-، في هذه الأيام الفاضلة، عسى الله أن يرد كيد الأعداء. 

ونحتاج ونحن في شهرٍ تتوحَّد فيه مشاعر المسلمين أن نعيد للمسلمين شعور الأمة الواحدة والجسد الواحد الذي ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (متفق عليه).

التاريخ المعاصر ومركزية البقعة الجغرافية: 

إن من ضمن مشكلاتنا: أن دراستنا للتاريخ المعاصر والتي نستقي معظمها من مناهج تركز على البقعة التي نعيشها؛ فباستثناء دراسات الدول الإسلامية الكبرى كالخلفاء الراشدين والدولة الأموية والعباسية كإطار عام، تتجه معرفتنا بالتاريخ إلى تاريخ بقعتنا؛ فربما غاب عنا تسلسل تاريخي مهم ومؤثر ومطلوب لفهم كثير من الأحداث، وبالتالي ستكون هذه السلسلة في الشأن الإيراني -بإذن الله-.

وهذه دراسة مختصرة تتتبع تاريخ التشيع ودور العنصر الفارسي في نشأته وفي الغلو في عداوتهم لأهل السنة، وهذا أمر واقع مشاهد عبر محطات تاريخية كثيرة؛ منها: دور الطوسي، وابن العلقمي  في سقوط بغداد بيد التتار، وتحالف الدولة الصفوية مع البرتغال ضد الدولة العثمانية، وهو حلف كان من شأنه في حالة نجاحه أن يُمكِّن البرتغال من مصر والجزيرة العربية -أي: من قلب العالم الإسلامي-، ومع هذا أقدمت عليه الدولة الصفوية بكل أريحية!

ومع هذا فلم يعاملهم أهل السنة بنفس معاملتهم حتى مَن كفَّرهم من أهل العلم، فإنما كفرهم لما رأى في أقوالهم من مصادمة نصوص الكتاب والسنة، وإن كان الصحيح أن المتأمل في أقوال الرافضة؛ سيجد أنها أقوال كفرية، لكن لهم عليها تأويلات تستوجب عدم تكفيرهم بأعيانهم؛ كما قال ابن تيمية -رحمه الله- بعد ما ناظر المعتزلة: "لو أني قلت مقالتكم لكفرت، ولكنكم عندي جهالًا". 

وهذا بخلاف من كانت انحرافاتهم صريحة النقض للمعاني المجملة للشهادتين مما يجعلهم أهل دين آخر، وليسوا من أهل دين الإسلام: كالإسماعيلية، والبهرة، والدروز. (وسوف نعود لهذه القضية بعد ما نستعرض موجز تاريخ التشيع وارتباطه بالعصبية الفارسية). 

أولًا: الجذور القديمة للتشيع: 

تعود الجذور القديمة للتشيع إلى مجموعة من المنافقين الذين أظهروا الإسلام وهم يريدون الكيد له، ومن أبرز هؤلاء: عبد الله بن سبأ اليهودي الذي كان يسكن اليمن، والذي استغل وجود سخط محدود من بعض ذوي المصالح على عثمان -رضي الله عنه-، وهو سخط من قبائل كانت تسكن الكوفة والبصرة وتمارس السطو على بعض القرى التي كان بينها وبين الدولة الإسلامية عهد، فأمر عثمان -رضي الله عنه- عماله بالتصدي لهذه القبائل؛ صيانة لعهد الدولة الإسلامية مع من عاهدت. 

كما وجدت بعض الاعتراضات المتناثرة في مصر والشام راجعة إلى المقارنة بين عمر وعثمان -رضي الله عنهما-، ولا شك أن عمر أفضل من عثمان، ولكن بعد استشهاد عمر أصبح عثمان هو أفضل أهل الأرض حينها بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر؛ بالإضافة إلى أن هذه المقارنات نسبتْ إلى عثمان ما هو بريء منه. 

ومن ذلك مثلًا: أنه استعمل أقاربه، في حين أن كل مَن استعملهم عثمان -رضي الله عنه- من أقاربه كان مستعملين قبله؛ إما من عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو من عصر الخليفتين: أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-. 

سمع عبد الله بن سبأ بهذه الأزمات، فراح يروج إلى أن اختيار عثمان كان خطأً في الأصل وأن عليًّا -رضي الله عنه- أفضل منه؛ ورغم أن ابن سبأ قد أضاف طوام أخرى بعد هذه البدعة؛ إلا أن بعض من تلبس بهذه البدعة لم يتحول معه إلى ما استحدثه من بدع أخرى، ومِن ثَمَّ بقيت إلى يومنا هذا فرقة من الشيعة ترى هذا الرأي، وهم الذين يسميهم العلماء: بالشيعة "المفضلة"؛ إلا أن عبد الله بن سبأ استمر في إثارة الفتن إلى أن قُتل عثمان -رضي الله عنه- ثم استمر في إثارة الفتن بعدها. 

لقد نصب ابن سبأ شباكه على ضعفاء العقل والإيمان؛ ليصيدهم بمصيدة حب علي -رضي الله عنه-، وأغراه نجاحه في تأليب بعض الجهال على عثمان -رضي الله عنه- بدعوى أن عليًّا أفضل منه، فطوَّر فكرة المظلومية وادَّعى وجود وصية من النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخلافة لعلي -رضي الله عنه-؛ وبذلك انتقل من مجرد تفضيل علي -رضي الله عنه- على عثمان إلى تفضيله على الخلفاء الثلاثة قبله، بل إلى ادِّعاء أنهم تآمروا وكتموا وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكل هذه الخرافات المعروفة عند الشيعة. 

وهذه الفرية هي الفكرة المؤسسة لفكر الشيعة "السبابة" (تمييزًا لهم عن البدعة الأشد غلوًّا على الإطلاق، الآتي ذكرها في السياق -إن شاء الله-) وسمي هؤلاء بالسبابة؛ لأن البدعة الأبرز عندهم هي سبهم للصحابة -رضي الله عنهم-، ويعرفون أيضًا: بالشيعة الإمامية، وبالشيعة الاثني عشرية، وبالروافض؛ نسبة إلى اعتقادات أو مواقف عندهم. 

ثم ظهر نفاق عبد الله بن سبأ جليًّا حينما أتى ببدعة كفرية تصادم دين الإسلام -جملة وتفصيلًا- حينما ادَّعى إلهية علي -رضي الله عنه-؛ وهي بدعة "السبئية" المتفق على كفر من قال بها، وقد تطورت بعده إلى القول بإلهية الأئمة، وليس إلهية علي -رضي الله عنه- وحده فقط، ويصفها العلماء بأنهم الشيعة "الغالية" (والغلو هنا يعنون به أنهم أغلى فرق الشيعة على الإطلاق، والذي بلغ غلوهم حد الكفر الصريح الذي لا عذر فيه بالجهل ولا تردد، ويدخل في هؤلاء الإسماعيلية والدروز والبهرة والنصيريون). 

وبعد استشهاد علي -رضي الله عنه- ثم مبايعة الحسن -رضي الله عنه- خليفة بعده وما تم من صلح بينه وبين معاوية -رضي الله عنه- خفتت الدعوات الظاهرة إلى التشيع بمعانيه الثلاثة (المفضلة والسبابة والغالية)؛ إلا أنه من الواضح أن الدعوة السرية لها ظلت مستمرة وظهر هذا جليًّا بعد وفاة معاوية -رضي الله عنه- ومبايعة ابنه يزيد؛ وهو -بلا شك- أقل في الفضل من الحسين -رضي الله عنه- وغيره من الصحابة الذين كانوا ما زالوا أحياء في هذا الزمان؛ إلا أن اجتهاد معاوية -رضي الله عنه- كان في اختياره وليًّا للعهد احترازًا من حدوث اضطرابات ونزاع على الحكم لو قدم غيره لا سيما مع بقاء آثار فترة الخلاف ماثلة في الأذهان. 

وبمبايعة يزيد وَجَد دعاة الشيعة المستترون الفرصة لمعاودة المحاولة في نفس طريق ابن سبأ، فأرسلوا للحسين -رضي الله عنه- أن يأتي لكي يعلن نفسه خليفة وكان ما كان. 

وبعد استشهاد الحسين -رضي الله عنه- صار لدى الشيعة بكائيتان: واحدة تتعلق بدعوى غصب الخلافة من علي -رضي الله عنه-، وهي دعوى باطلة قطعًا. والثانية: بكائية مقتل الحسين -رضي الله عنه- وهي مصيبة كبرى؛ إلا أن دور الشيعة في هذه الجريمة لا يقل عن دور القاتل؛ لكونهم هم مَن أغرى الحسين -رضي الله عنه- ثم هم من تخلوا عنه وتركوه وحده. 

ثم طوَّر الشيعة كذبتهم بشأن النص على خلافة علي -رضي الله عنه- ليشمل ذريته بعده، فاعتبروا أنها انتقلت للحسن ثم للحسين ثم لأبناء الحسين -رضي الله عنهم-. 

ومن ضمن المضايق التي لا يجد الشيعة عليها جوابًا: أنه لو كانت هناك وصية لعلي -رضي الله عنه- وأبنائه، وكانت من الدين هي ركنه الركين -كما يدَّعون-؛ فلماذا لم ينافح علي -رضي الله عنه- عنها؟! بل وكيف تنازل عنها الحسن وقد آلت إليه فعلًا؟! لا سيما وأنه تنازل لمن ليس داخلًا في الوصية بحال على حدِّ وصيتهم المزعومة. 

ولأن الشيعة "السبابة" كانوا أكثر انتشارًا من كل فرق الشيعة سواء الفرقة الأكثر اعتدالًا منهم وهم المفضلة، أو الفرقة الأكثر غلوًّا منهم، وهم الشيعة الغلاة، فصارت كلمة الشيعة إذا أطلقت عُني بها الشيعة السبابة "الشيعة الاثني عشرية". 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان الاتجاهات الثلاثة في بدعة التشيع: "وَلَمَّا أَحْدَثَتْ الْبِدَعَ الشِّيعَةُ فِي خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رَدَّهَا، وَكَانَتْ ثَلَاثَةَ طَوَائِفَ: غَالِيَةٌ وَسَبَّابَةٌ وَمُفَضِّلَةٌ؛ فَأَمَّا الْغَالِيَةُ فَإِنَّهُ حَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَابِ كِنْدَةَ فَسَجَدَ لَهُ أَقْوَامٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَنْتَ هُوَ اللَّهُ، فَاسْتَتَابَهُمْ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَأَمَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِأَخَادِيدَ، فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ فِيهَا النَّارَ، ثُمَّ قَذَفَهُمْ فِيهَا، وَقَالَ: 

لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا           أَجَّجْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قَنْبَرًا

وَفِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" أَنَّ عَلِيًّا أَتَى بِزَنَادِقَتِهِمْ فَحَرَّقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِنَهْيِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُعَذَّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". وَأَمَّا السَّبَّابَةُ فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ سَبَأٍ يَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، طَلَبَ قَتْلَهُ فَهَرَبَ إلَى "قُرْقِيِسَا" وَكُلِّمَ فِيهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يُدَارِي أُمَرَاءَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا، وَلَمْ يَكُونُوا يُطِيعُونَهُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ. وَأَمَّا الْمُفَضِّلَةُ فَقَالَ: لَا أُوتَى بِأَحَدٍ يُفَضِّلُنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إلَّا جَلَدْتُهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي. 

وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ أَكْثَرِ مِنْ ثَمَانِينَ وَجْهًا أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ. وَفِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ أَوَمَا تَعْرِفُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ. وَفِي "التِّرْمِذِيِّ" وَغَيْرِهِ أَنَّ عَلِيًّا رَوَى هَذَا التَّفْضِيلَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (الفتاوى الكبرى)

ثانيًا: الأثر الفارسي في التشيع في مراحله المبكرة: 

رغم محورية شخصية عبد الله بن سبأ اليهودي في تأسيس بدع التشيع بصنوفها الثلاثة وهو يهودي؛ إلا أن هناك شواهد تدل على وجود أثر فارسي كبير في هذه الفتنة؛ منها: 

1- قبل فتنة مقتل عثمان -رضي الله عنه-، كانت فتنة مقتل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على يد أبي لؤلؤة المجوسي، وهي حادثة لم يثبت في التاريخ الارتباط المباشر بين فاعلها وبين قتلة عثمان -رضي الله عنه- لاحقًا، وإن كان الأمر لا يخلو من شكوك تدل عليها بعض القرائن. 

2- محورية فكرة الحكم وتقديس الحاكم إلى حدِّ التأليه، فكرة وجدت في معظم الحضارات القديمة، ولكنها استقرت بشكل كبير عند الفرس ولم تكن معروفة عند العرب، ولا كانت مستقرة عند الروم في هذا الوقت. 

3- فكرة أن يوجد جماعة دينية لها معتقدات معلنة، وأخرى لا تُعلَّم إلا لمن وُثِق به "فكرة التقية"؛ كانت متجذِّرة في أرض فارس عن طريق "المزدكية" الذين دعوا إلى شيوعية المال والجنس، وحدثت فتنة كبيرة تم على إثرها تعقبهم وسجنهم، فأظهروا التراجع الظاهر، ولكنهم ظلوا يستقطبون الأتباع لدعوتهم إلى أفكارهم. 

4- نشأت الشيعة في المدن المتاخمة في شرق العراق لبلاد فارس، والتي كانت قد شهدت استيطان عدد ممن لهم أصول فارسية فيها. 

5- أنه في وقتٍ لاحقٍ انتشر التشيع في بلاد فارس بشكل كبير. 

6- بعد ما وُضعت كتب يزعم الشيعة أنها مرويات يعارضون بها كتب الحديث عند السنة، وهي كلها إنما اخترعت بعد استشهاد الحسين -رضي الله عنه-: كـ"الكافي"، وغيره، ولكن وُجد فيها عنصرية فارسية، وحط من العرب؛ وهو أمر يتنافى مع فكرة الغلو في أهل البيت التي يقوم عليها الفكر الشيعي؛ فبلا شك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عربي وآل بيته عرب، وهذا يؤكد أن عصبيتهم البغيضة للجنس الفارسي أوقعتهم في تلك التناقضات الظاهرة. 

7- ما وُجد في كتب الشيعة من قصة زواج مزعوم بين الحسين وبين ابنة يزدجرد آخر ملوك فارس، وما رُوي عندهم أن المهدي حفيد يزدجرد سوف يأتي ليبهرج العرب (أي: يكثر فيهم من القتل!).

ثالثًا: الغزو التتري والوجود السياسي الخافت لسلاطين شيعة: 

ظل التشيع فكرة بدعية تظهر حينًا وتختفي حينًا، يشتد شأنها في بلد دون آخر، وكان معظم أماكن تواجدها بلاد العراق أو الجزء الشرقي منها، وبلاد فارس. ولما جاء الغزو التتري ظهر مرة أخرى مقدار ما يضمره الشيعة من عداء لأهل السنة حينما تطوع نصير الدين الطوسي لمعاونة هولاكو على غزو بلاد المسلمين، ثم خيانة ابن العلقمي للخليفة العباسي رغم ثقته فيه؛ وبذلك سقطت بغداد في يد التتار بخيانة مزدوجة من رجلين شيعيين. 

ثم مَنَّ الله على الأمة بانكسار الحملة التترية على يد جند مصر والشام، وأسلم معظم قادة التتار ورجع بعضهم، فأسس إمارات في بلاد فارس. وكثير ممن أسلم من التتار بقي على كثير من ظلمه.

وبدأ يظهر اعتناق بعض أمراء التتار للمذهب الشيعي، وهو نابع في الغالب من رغبة للاستفادة من تهاون علماء الشيعة الذين كانوا لا يجدون أي غضاضة في التلاعب بالأحكام استمالة للحكام، بل وللعوام، ومنه تبنيهم للقول بصحة نكاح المتعة! وبالتالي: وجد الشيعة فرصة للدعوة على منهجهم وتأليف كتب تقرِّر هذا المنهج، كما وجدوا في الطرق الصوفية خير ستار إذا وجدوا رغبة في عدم وجودهم في أي إمارة من الإمارات. 

رابعًا: تدشين الوجود السياسي للشيعة من خلال الدولة الصفوية: 

كانت من الدول التترية القوية التي حكمت بلاد فارس وأجزاء كبيرة أخرى مما يجاورها من الشرق والشمال دولة تيمورلنك، وبعد انهيارها تمزقت تلك البقعة إلى إمارات صغيرة حتى تمكن إسماعيل الصفوي من توحيد أجزاء كبيرة منها تحت حكمه، فيما عُرف: بـ"الدولة الصفوية". 

وإسماعيل هذا هو: إسماعيل بن حيدر بن إبراهيم بن جنيد الصفوي؛ كان جده إبراهيم شيخ الطريقة الصفوية فنُسب إليها، ويُذكر أن مؤسس الطريقة أصلًا هو الشيخ صفي الدين إسحاق، وهي طريقة صوفية تسربت لها مفاهيم شيعية لم ترقَ إلى أن تجعلها تُصنف كطريقة شيعية؛ إلا أن إسماعيل الصفوي قد جعل المذهب الشيعي الاثني عشري مذهبًا للدولة الصفوية، وتلقَّب بـ"الشاه"، وامتحن الناس عليه وقُتل من أبى الدخول في التشيع! 

حتى قال قطب الدين الحنفي -رحمه الله- في "الأعلام": "إنه قتل زيادة على ألف ألف نفس، قال: بحيث لا يُعهد في الجاهلية ولا في الإسلام ولا في الأمم السابقة من قبلُ في قتل النفوس ما قتله شاه إسماعيل؛ وقتل عدة من أعاظم العلماء بحيث لم يبقَ من أهل العلم أحد من بلاد العجم، وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم، وكان شديد الرفض بخلاف آبائه، وافتتح ممالك العجم جميعها، وكان يقتل من ظفر به وما نهبه من الأموال قسَّمه بين أصحابه ولا يأخذ منه شيئًا.

ومن جملة ما ملك تبريز وأذربيجان وبغداد وعراق العجم وعراق العرب وخراسان، وكاد أن يدعي الربوبية! وكان يسجد له عسكره ويأتمرون بأمره". 

ولا يُعلم على وجه اليقين سبب اختياره لمذهب الرافضة، بل غلوه فيه إلى هذا الحد، وإن كان يفسره البعض من أنه كان حريصًا على اختيار مذهب يغاير مذهب الدولة العثمانية والتي كانت قد بلغت أوج قوتها بعد فتح القسطنطينية عام 1453م، في حين قامت الدولة الصفوية عام 1501م. 

خامسًا: الدولة الصفوية والتحالف مع البرتغال ضد الدولة العثمانية: 

سيطرت الدولة العثمانية على البحر الأبيض المتوسط، وجعلته بحيرة إسلامية عثمانية، ومن ثم فرضت الدولة العثمانية رسومًا كبيرة على السفن الأوروبية مما وفَّر دائمًا مصدر ثروة للإنفاق العسكري، مما جعل الدولة العثمانية هي الدولة العظمى في العالم، وجعلها مرشحة لأن تستمر كذلك.

وبعد سقوط الأندلس حاولت البرتغال أن تجد طريقًا بحريًّا آخر للتجارة بين أوروبا والهند غير البحر المتوسط، فاكتشفوا طريق "رأس الرجاء الصالح"، وحاولوا بعد اكتشافه أن يسيطروا على البحر الأحمر لكي يستطيعوا من خلاله فرض رسوم على السفن العثمانية المارة فيه أو المطالبة بحرية مرور الجميع عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط على حدٍّ سواء؛ حيث كانت التجارة تمر من البحر الأحمر ثم تُنقل حمولتها بقوافل الإبل إلى البحر المتوسط لتكمل مسيرتها في البحر المتوسط. 

ودارت معارك بين البرتغاليين والعثمانيين الذين فُوجئوا بتحالف الصفويين معهم، وإن كان الأمر انتهى بانتصار الدولة العثمانية على الفريقين. 

إن تحالف الصفويين مع البرتغال قد يُصنف على أنه انحراف سياسي من الحكام الصفويين كما قد يحدث من بعض الفاسدين الذين ينتمون بحكمِ ما تنتسب إليه أقوامهم أو بلادهم إلى السنة، ولكنهم يقعون في انحرافات شخصية، ولكن عندما تجد أن كتب الشيعة مشحونة بالتكفير الصريح الواضح لأهل السنة، والتحريض على سفك دمائهم، وانتهاك أعراضهم؛ سوف تتأكد أن ما فعله الطوسي وابن العلقمي، ثم ما فعلته الدولة الصفوية، ليس إجرامًا شخصيًّا من شخص تلقَّى تعليمًا يفيد حرمة ما يفعله؛ بل ستدرك أن التوجيه الديني للشيعة يأمرهم بهذا! 

فكيف لو صارت مصلحة ملكه أيضًا في فعل هذا؟! 

الطبيعي أن تجد تسابقًا على قتل أهل السنة ونهب أموالهم وانتهاك أعراضهم؛ وجدنا هذا في معاونة الطوسي وابن العلقمي للتتار، ثم في مذابح الدولة الصفوية لمن أبى الانتقال لمذهبهم، ثم في حلفهم مع البرتغاليين ضد أهل السنة. 

ومن غبائهم العسكري أيضًا: أن البرتغاليين لو كانوا سيطروا على التجارة البحرية حينها، كانوا أيضًا سيخنقون بلاد فارس، ولكنه الحقد والطمع الذي يعمي البصر والبصيرة. 

ونكتفي بهذا القدر في هذه المقالة. 

وسوف نتناول في المقالة القادمة -بإذن الله- إيران بعد سقوط الدولة الصفوية إلى ما قبل ثورة الخميني. والحمد لله أولًا وآخرًا. 

وللحديث بقية -إن شاء الله-.