أثر العربية في نهضة الأمة (6)
كتبه/ ساري مراجع الصنقري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلُغتُنا العربيَّة تُمثِّلُ هُوِيَّةَ أُمَّتِنا، ولسانَها الذي يُعبِّرُ عن ذاتِها، وستظَلُّ رايتُها مرفوعةً، وستبقى محفوظةً بحفظِ القُرآن، الذي أنزله اللهُ -سبحانه- بلسانٍ عربيٍّ مُبِينٍ، فقال -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9).
وقد اعترف المُنصِفون مِن المستشرقين بحفظِ القُرآنِ وصيانتِه مِن التَّحريف.
قال الألماني ثيودور نولدكه (1836م - 1930م) في كتابِه "تاريخ القرآن": (إنّ النَّصَّ القُرآنيَّ المُتداولَ بين المسلمين... هو أحسنُ صُورةٍ مِن الكمالِ والمُطابَقة).
وقالت الإيطالية لورا فيشيا فاغليري (1893م - 1989م) في كتابها "دفاع عن الإسلام": (فإلى الكتابِ العزيزِ الذي لَم يُحرِّفْه قَطُّ لا أصدقاؤُه ولا أعداؤُه، لا المُثقَّفُون ولا الأُمِّيُّون؛ ذلك الكتابُ الذي لا يُبلِيه الزَّمانُ والذي لا يزال إلى اليومِ كعهدِه يومَ أوحى اللهُ به إلى الرَّسُولِ الأُمِّيِّ البسيطِ آخِر الأنبياءِ حملة الشَّرائع).
وسأكتفي هنا بكلامِ د. توفيق الطَّويل (1909م - 1991م)، حيث قال: (وقد اصطفى اللهُ رُسلَه وأيَّدَهم بمعجزاتٍ مِن جنسِ ما برع فيه أقوامُهم، فكانت معجزةُ موسى مِن جنسِ السِّحْرِ الذي اشتهر به قومُه، ومعجزةُ عيسى الطِّبُّ الذي برع فيه أهلُه، ومعجزةُ محمَّدٍ البيانُ الذي كان قومُه أئمَّتَه؛ يقول الرَّافعي: إنّ القُرآنَ قد صفَّى اللُّغةَ مِن أكدارِها، وارتقى بها في التَّعبير.
كان العربُ في جاهليَّتِهم أُمَّةَ بلاغةٍ، أئمَّةَ بيانٍ وشِعْرٍ وخَطابةٍ، فنزل القُرآنُ بلُغتِهم مُعجزًا مُتحدِّيًا كُلَّ مَن كان في وُسْعِهِ أن يرفعَ ببيتٍ مِن الشِّعْرِ قبيلةً هان خَطْبُها، أو يخفضَ قبيلةً علا شأنُها، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ??)، (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى? عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ?? - ??).
ولمّا عجزوا وانقطعت بهم السُّبُلُ قصدوا لِمُحارَبتِه، وقالوا: ساحرٌ وشاعرٌ ومجنونٌ ورجلٌ يكتبُ أساطيرَ الأوَّلِين، وغير ذلك ممّا كان إقرارًا منهم بالعجز.
ونَسألُ اللهَ التَّوفيق.