إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 16 يونيو 2011 - 14 رجب 1432هـ

اقرئي.. قارني.. ثم قرري

طريقة دعوية للحث على الحجاب

كتبه/ إيهاب الشريف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد حضرتْ مع زوجها لأداء مناسك الحج.. كان السفر بحرًا بالباخرة.. طافوا.. سعوا.. وبعرفات وقفوا.. دعوا ورجوا.. وللعبرات سكبوا.. وفي طريق العودة كانت المفاجأة! يقول زوجها: بينما أنا وزوجتي وأولادي نتجاذب أطراف الحديث في كابينة بالباخرة؛ إذ سمعنا جلبة وصراخًا ووقعَ أقدام، خرجْتُ لأستطلع الأمر فإذا بالناس يصرخون: السفينة تغرق.. السفينة تغرق.. فرجعت خائفًا مذعورًا وقلت لزوجتي: هيا لنخرج.. السفينة تغرق! فقالت: لا لن أخرج! ماذا تقولين؟ قالت: لن أخرج حتى ألبس حجابي كاملاً: هل جننتِ؟ هل تريدين الموت؟ ومن ينظر إليك في هذه الحالة؟ وحاولت معها، لكنها أصرت.. لن أخرج حتى ألبس الحجاب الذي أمرني به ربي كاملاً.. استسلمت للأمر الواقع.. كانت مطمئنة.. لا تبدو عليها علامات الخوف ولا الهلع.

وبينما أنا وهي نحاول النجاة أمسكت بيدي وضغطت عليها وقالت: هل أنت راضٍ عني؟ فرددت: وهل هذا وقته؟ فأصرت: فقلت: نعم. فرحتْ واستبشرت. حاولنا النجاة، لكن القدر غالب.. حال الموج بيني وبينها.. نجوت أنا وأولادي.. وبعد جهد الإنقاذ ذهبت أبحث عنها في الأموات. فكانت المفاجأة! وجدتها ميتة في حجابها الكامل! رحمها الله وأدخلها الجنة آمين. "القصة بتصرف يسير".

عبرة:

هذه تمسكت بحجابها وهي في هذا الموقف الشديد العصيب؛ فكيف بمن تتهاون به وهي خارجة إلى السوق أو الجامعة؟ مع أن الحكم الشرعي هو أن الضرورات تبيح المحظورات، لكن الحقيقة أن السفينة تغرق في عدة ساعات، ودقائق لبس الحجاب لن تؤخر من الأمر شيئًا.

هذه أطاعت ربها فأكرمها وأحسن خاتمتها فماذا عن غيرها؟!

القصة التالية تجيب عن هذا السؤال:

فتاة جامعية.. مفتاح من مفاتيح الشر.. لم تكتف بمعصيتها حتى دعت غيرها لتقليدها! فكانت كلما رأت صاحبة لها؛ قالت: حاجباك جميلان، لكن لو نمصت -رققت- قليلاً؛ لصرت أجمل! لعبت بعقول الكثيرات.

تقول أختها: في أحد الأيام وبعد عودتنا من الجامعة. أحست بألم في بطنها.. ذهبنا إلى المستشفى.. فحوصات وتحليلات ثم قال الطبيب لأبيها: أريدك على انفراد!! عاد أبي وقد امتلأت عيناه بالدموع.. ما الخبر؟ مغص بسيط.. لكنها ستبيت بالمستشفى؛ لإجراء بعض الفحوصات.. عدنا للبيت سألته: ماذا بها؟ فرد: إن الطبيب مشتبه في سرطان بالمعدة!

في الصباح ذهبنا إليها.. كانت تعتصر ألمًا.. دعونا الطبيب.. طلبت منه الدواء فقال: عندنا دواء، لكنه يؤدي إلى تساقط الشعر "الرأس- الحواجب"! قالت: لا أريده سأتحمل.. اشتد بها الألم.. استدعينا الطبيب.. أعطني الدواء.. سيسقط الشعر؟ قالت: ولو أسقط عيوني!

بدءوا في العلاج وبدأ شعرها يتساقط.. لم تبق في رأسها شعرة! لم أستطع أن أنظر إليها.. ثم أخذتْ الحواجب تتساقط.. تذكرت كلماتها للزميلات.. كم مرة نمصتهما! وكم دعت غيرها للمعصية (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ) (متفق عليه)، ثم أصبح وجهها يتحول للون الأحمر فتغطيه ليس لأجل الحجاب وإنما حياء منا!". (انتهت القصة).

إنه الجزاء مِن جنس العمل.. وكما تدين تدان..

"لقد جاءت العقوبة في آلة المعصية"؛ فهل مِن معتبر؟!

أختي المسلمة، لم المغامرة؟ لم التجريب؟ ليس لنا إلا عمر واحد.. وفرصة واحدة.. هما طريقان أيهما سلكنا؛ وردنا على أهله، فكما لا يرجى من الشوك العنب، كذلك لا ينزل الله الفجار منازل الأبرار، فأيَّ الطريقين تسلكين؟!

ما خلقنا الله إلا للعبودية، والمرأة المسلمة تزيد فوق الأمر بالصلاة والصيام والحج وسائر العبادات.. تزيد أمرًا آخر، وهو: الأمر بالحجاب، إذن فالآمر هو الله.

وكذا في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لا يكون مِن ورائه إلا كل خير في الدنيا والآخرة، ولذا؛ أقول: أمامكِ طريقان: إما الحجاب والاحتشام والعفاف، وإما التبرج والسفور والابتذال، ولكل منهما معالم وأوصاف وخصائص.

أما الطريق الأول: فطريق أمهات المؤمنين ومَن تبعهن مِن المسلمات بإحسان إلى يوم الدين، طريق العفاف والحجاب، وأما ميزاته وثمراته فكثيرة.. منها:

- الحجاب طاعة لله وعبودية: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا) (الأحزاب:36)، وقد أمر الله بالحجاب في أكثر من آية، منها: قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) (الأحزاب:59)، وقال -تعالى- للمؤمنات: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور:31)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، فهو طاعة أُمـرتْ بها: كالصـلاة والصيام، فهل تقول مسلمة: لا أصلي حتى أقتنع مثلاً؟! هذا لا يكون من المسلمة المحبة المعظـِّمة لربها -سبحانه وتعالى-.

- الحجاب عفة: فبعد أن أمر الله النساء بالحجاب قال: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) أي: بالعفة (فَلا يُؤْذَيْنَ): فلا يتعرض لهن الفساق بالأذى، وهذا واقع مشاهد.

- الحجاب طهارة: قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) (الأحزاب:53)، فالحجاب طهارة للقلوب؛ لأن العين إذا لم تر؛ لم يشته القلب، وإذا غض الإنسان بصره؛ كف القلب شهوته، والحجاب عون له على ذلك.

- الحجاب ستر: والله يحب الستر، يقول -صلى الله عليه وسلم-: (أيُّما امْرَأةٍ نَزَعَتْ ثِيابَها في غَيْرِ بَيْتِها؛ خَرَقَ الله -عَزّ َوجَلَّ- عَنْها سِتْرَهُ) (رواه أحمد والطبراني والحاكم، وصححه الألباني)، والجزاء مِن جنس العمل.

ولما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجال عن إسبال الإزار بقوله: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ؛ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: (يُرْخِينَ شِبْرًا). فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ. قَالَ: (فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لاَ يَزِدْنَ عَلَيْهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، انظري أُختاه لشدة حرصهن على الستر، أمك "أم سلمة" -رضي الله عنها- تحرص على إطالة ثوبها وتخشى مِن انكشاف قدميها، وتناقش في ذلك.. فماذا عمن ترفع ثوبها أو تضيقه؛ ليصف جسدها؟! بل وتناقش فيه أيضًا؟!

- الحجاب إيمان: ولذا؛ نرى آيات الحجاب تركز على هذه الصفة: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ) (النور:31)، (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ)، ولما دخل نسوة على عائشة -رضي الله عنها- وعليهن ثياب رقاق؛ قالت لهن: "إن كنتن مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات" "القرطبي 14/244".

- الحجاب غَيْرَة: فالرجل السوي يأنف أن تمتد النظرات الخائنة إلى زوجته وبناته ومحارمه خلافًا لمن يقر السوء في أهله ولا ينكره، يقول علي -رضي الله عنه-: "أَلا تَسْتَحْيُونَ أَوْ تَغَارُونَ؟ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَكُمْ يَخْرُجْنَ فِي الأَسْوَاقِ يُزَاحِمْنَ الْعُلُوجَ" (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر في "المسند").

وهذه قصة مِن قصص الغيرة ذكرها الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تاريخه، قال: "تقدمت امرأة إلى قاضي الري، فادعت على زوجها صداقها خمسمائة دينار، فأنكره فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا؟ فلما صمموا على ذلك؛ قال الزوج: لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدعيه، فأقر بما أدعت؛ ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها، فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه: "هو في حِلٍ من صداقي عليه في الدنيا والآخرة" "البداية والنهاية 11/81". مع أن الحكم الشرعي جواز كشف الوجه في هذه الحالة.

- الحجاب حياء: فلكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء، (إنَّ الحَيَاءَ والإِيمانَ قُرِنا جَميعًا، فإذا رُفِعَ أحدُهُما؛ رُفِعَ الآخَرُ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني)، وفي قوله -تعالى- عن ابنة الرجل الصالح شعيب لما أتت موسى -عليه السلام-: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) (القصص:25)، قال عمر -رضي الله عنه-: "جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع، خراجة ولاجة" "تفسير ابن كثير 6/238". والسلفع: الجريئة. ولاجة خراجة: كثيرة الولوج، وهو: الدخول وكثرة الخروج.

وانظري لحياء عائشة -رضي الله عنها- وهي تقول: "كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِي الَّذِي دُفِنَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَبِي فَأَضَعُ ثَوْبِي، وَأَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ زَوْجِي وَأَبِي، فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ مَعَهُمْ فَوَاللهِ مَا دَخَلْتُهُ إِلا وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَلَيَّ ثِيَابِي؛ حَيَاءً مِنْ عُمَرَ" (رواه أحمد، وصححه الألباني).

فإذا كان هذا حياء عائشة مِن ميت.. فأين حياء النساء مِن الأحياء.. ؟!

وتأملي معي الموقف التالي لامرأة أعجمية روسية، وقد أراد الروس استخراج بطاقات للنساء فباتت تبكي مِن الهم.. كيف تكشف وجهها للرجال! حتى ألهمت مخرجًا لذلك! فكان أن سودت وجهها بالفحم فظنوها سوداء والتقطت لها الصورة على ذلك! ونحن نقول: هذه ضرورة تجيز للمرأة أن تكشف وجهها، ولا داعي لتسويد الوجه، لكني أقول: هذا حياء امرأة أعجمية ليست عربية فأين نساؤنا منها؟

وأخرى تذهب للطبيب لألم في أذنها وهي مسنة فتكشف له عن أذنها فيقول لها: يا أمي أنا مثل ولدك! لا حرج عليك، فترد: أنت لا تريد إلا أذني وقد كشفتها لك! ما أجمل الحياء! إنه الحياء الذي إن غاب؛ فعل الإنسان ما شاء.. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ؛ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) (رواه البخاري).

- الحجاب مِـن تقوى الله: قال الله -تعالى- (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف:26)، فلبـس المـرأة للحـجاب مِـن تقـوى الله -عز وجل-، وهو وقاية لها مِن عقابه -سبحانه-.

تلك -وباختصار- ثمار وفضائل وخيرات وبركات الحجاب.. وفي المقابل: نرى الطريق الثاني -طريق التبرج- وعلى رأسه: إبليس -لعنه الله- ومَن تبعه مِن أعداء الإسلام، وكل مَن يريد للمسلمين التعري والتكشف وترك الحجاب.. إنه طريق التبرج.. طريق المعصية، ومِن ورائه أضرار ومخاطر كثيرة، منها:

- التبرج معصية لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟! قَالَ: (مَنْ أَطَاعَنِي؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي؛ فَقَدْ أَبَى) (رواه البخاري).

- التبرج يجلب اللعن والطرد مِن -رحمة الله-: قال -صلى الله عليه وسلم-: (سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى سُرُوجٍ، كَأَشْبَاهِ الرِّحَالِ، يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ، الْعَنُوهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ.. ) (رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني)، فهي تستر بعض بدنها وتكشف بعضه أو تلبس الثياب الرقيقة أو الضيقة فكأنها عارية، وتعظم رأسها وتكبرها بتكويرها ونحو ذلك..

- التبرج من صفات أهل النار: قال -صلى الله عليه وسلم-: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) (رواه مسلم).

- التبرج نفاق: قال -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ نِسَائِكُمُ الْوَدُودُ الْوَلُودُ الْمَوَاتِيَةُ الْمُوَاسِيَةُ إِذَا اتَّقَيْنَ اللَّهَ، وَشَرُّ نِسَائِكُمُ الْمُتَبَرِّجَاتُ الْمُتَخَيِّلاَتُ، وَهُنَّ الْمُنَافِقَاتُ، لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْهُنَّ إِلاَّ مِثْلُ الْغُرَابِ الأَعْصَمِ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني).

فكما أن هذا النوع مِن الغربان قليل.. فكذا مَن يدخل الجنة مِن هؤلاء، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) (متفق عليه)، ألا فأنقذي نفسك بطاعة الله مِن عذاب النار.

- التبرج فاحشة: لأنه معصية لله -تعالى-، والشيطان هو الذي يأمر بالفحشاء وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه الألباني)، وكم تضر مِن الرجال حينما تمر بهن؟!

- التبرج سنة إبليسية: إذ هو الذي يأمر بمعصية الله -تعالى-، ومنها: كشف العورات (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا) (الأعراف:20)، إنه رائد الدعوة إلى كشف العورات، وتحرير المرأة مِن الستر والصيانة والعفاف.

- التبرج من سنن اليهود والنصارى: فإثارة الفواحش ونشر الشهوات المحرمة أعظم أسلحة اليهود لتدمير الأمم والشعوب؛ ليتسنى لهم السيطرة على العالم، خاصة أن المرأة هي أضر فتنة على الرجال، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مِن هذه الأمة مَن يتبع سنن هؤلاء فقال: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ؛ تَبِعْتُمُوهُمْ). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: (فَمَنْ) (رواه البخاري ومسلم).

والعجيب أن كتب أهل الكتاب قد ذكرت أن الله -سبحانه- عاقب "بنات صهيون على تبرجهن"، ففي الإصحاح الثالث مِن سفر أشعيا: "إن الله سيعاقب بنات صهيون على تبرجهن والمباهات برنين خلاخيلهن بأن ينزع عنهن زينة الخلاخيل والضفائر والأهلة والحِلق والأساور والبراقع والعصائب"؟

إذن لا تجد -أبدًا- إباحة للفحش والتبرج في أي من الكتب السماوية، بل الأمر بالاحتجاب والاحتشام فهذا نص واضح -رغم تحريف هذه الكتب- يدل على ذلك، وأضف إليه ظهور الحجاب في الصورة المزعومة لمريم -عليه السلام-.. فأين هم مِن ذلك؟! ليتهم التزموا بالأمر بالحجاب كما جاء في كتبهم!

- التبرج جاهلية منتنة: قال -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (الأحزاب:33)، وسنة الجاهلية موضوعة تحت الأقدام كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ) (رواه مسلم)، ومَن يحاول بعثها في الناس فهو مِن أبغض الناس إلى الله؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ) (رواه البخاري). فذكر منهم: (وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ).

والعجيب: أن تبرج هذه الأيام قد فاق بكثير تبرج الجاهلية؛ إذ ورد في تفسير الآية السابقة: أن المرأة في الجاهلية كانت تخرج تمشي بين يدي الرجال، أو أنها كانت تتكسر في مشيتها أو إنها كانت تلقي الخمار على رأسها ولا تغطي به قلائدها وعنقها.. هذا ما ورد في تبرج الجاهلية الأولى؛ فأين هو مِن تبرج نساء عصرنا؟! إلى الله المشتكى!

- التبرج انتكاس وتخلف وانحطاط: إن الفطرة السليمة تنفر مِن التكشف والتعري، ولذا؛ نجد الإنسان مع تطوره وتقدمه بدأ يغطي جسده شيئًا فشيئًا خلافًا للحيوان الذي ظل منكشفًا منذ خُلق إلى الآن، إذن فرؤية العري جمالاً هو انتكاس في الذوق البشري، ومؤشر واضح للتخلف.. ولذا مع التقدم المدني زاد التستر والاحتشام، فلِمَ يريدون لنا الآن العودة إلى عصور التعري.. عصور التكشف والتخلف؟!

التبرج باب شر مستطير:

فمع كل ما سبق فللتبرج مِن الشرور والعواقب الوخيمة ما يلي:

1- يؤدي إلى كثرة المعاكسات والجرائم والفواحش.

2- فساد الأخلاق خاصة عند الشباب والمراهقين.

3- المتاجرة بالمرأة كوسيلة دعاية أو ترفيه أو ترويج للسلع.

4- الإساءة للمرأة نفسها وإهانتها.

5- الإعراض عن الزواج وسيطرة الشهوات.

6- تسابق المتبرجات في الزينة حتى أصبحت المرأة سلعة مهينة لكل مَن شاء أن ينظر إليها.

7- تحطيم الروابط الأسرية وتفشي الطلاق وانعدام الثقة.

8- انتشار الأمراض.. خاصة الجنسية.

9- تسهيل معصية الزنا بالعين (فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ) (متفق عليه)، وتعسير غض البصر.

10- استحقاق نزول العقوبات العامة.

11- سبب لسوء الخاتمة.

ومِن المفسدة الأخيرة.. ألتقط الخيط فأذكر لكِ هذه القصة الواقعية.. فاقرئي.. وقرري: فتاة في العشرين مِن عمرها، وفي الثلث الأخير من الليل وفي غفلة مِن أهلها، بل وغفلة منها عن ربها -سبحانه وتعالى- تزينت وتجملت، ثم جلست أمام الكمبيوتر؛ لتعرض نفسها سلعة رخيصة على حثالة مِن الساقطين عديمي الأخلاق مقابل مبلغ زهيد من المال وذلك من خلال "البال توك" وفجأة.. وبدون مقدمات.. وعلى مرأى مِن الجميع تسقط جثة هامدة! وتبدأ قصة النهاية..

أتاها الموت.. وهي متبرجة.. عارضة لمفاتنها على الرجال؛ فلم تستيقظ إلا وهي في "عسكر الموتى"! وكانت الخاتمة.. ترى كيف سيراها أهلها؟ وماذا ستقول لربها إذا بعثها على هيئتها يوم القيامة؟! فكل عبد يبعث على ما مات عليه. اللهم سلم.. سلم.

وهل تتمنى مسلمة لنفسها مثل هذه الخاتمة؟! تلك عقوبة مِن عقوبات التبرج.. وتلك خاتمة طبيعية لمن عاش على معصية الله -عز وجل-، ولم يراقبه، ولم يعظمه، ولم يقدره حق قدره.

وماذا بعد..؟!

أختي الغالية.. هذه كانت فضائل وبركات وخيرات الحجاب والاحتشام.. وتلك كانت عقوبات وأضرار وويلات التبرج والابتذال.. فهل آن لك أن تقرري بعد ما قرأتِ؟!

روي عن صفية بنت شيبة: "بينما نحن عند عائشة -رضي الله عنها- قالت: فذكرت نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة: إن لنساء قريش لفضلاً، وإني -والله- ما رأيت أفضل مِن نساء الأنصار أشد تصديقًا لكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أنزلت "سورة النور": (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فانقلب رجالهن إليهن يتلون ما أنزل الله إليهن فيها، ويتلو الرجل على امـرأته وابنته وأخته، وعلى كـل ذي قرابته، فما منهـن امـرأة إلا قـامت إلى مرطـها المـرحل -نوع مِن الأكسية- فاعتجرت به -سترت رأسها ووجهها- تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله في كتابه، فأصبحن وراء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معتجرات كأن على رءوسهن الغربان".

فهل نقول: سمعنا وأطعنا؟ أم يكون حالنا: سمعنا وعصينا؟!

هل تكون هذه الكلمات بداية التغيير والعودة إلى الله -تعالى-، والندم على ما فات مِن تقصير في الحجاب أم تُقرأ كغيرها وتنسى؟!

أما لك عبرة في أختك "هدى"..؟!

طلبتْ مِن بعض صويحباتها أن تخرج معها لشراء بعض الملابس، فقالت لها: عندي درس نذهب إليه سويًّا ثم أذهب معك.. حاولت فلم يكن بد مِن الذهاب سويًّا للدرس.. وبالفعل حضرتا الدرس وكان الشيخ يتكلم عن التوبة والرجوع إلى الله -عز وجل-؛ فأخذت في البكاء حتى انتهى الدرس، ولما همت بالخروج مِن المسجد؛ أصرت ألا تخرج إلا بالحجاب الكامل، فأحضروه لها فلبسته في المسجد؛ لتدلل على صدق توبتها ثم خرجتا سويًّا.. وبينما يعبران الطريق صدمتها سيارة ففاضت روحها إلى الله -عز وجل- عقب هذه التوبة والعودة.. فهل مِن مجيب؟!

أختي الكريمة.. لقد قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (اعْزِلْ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ) (رواه مسلم)، وفي رواية: (نَحِّ الأَذى عَنْ طَرِيقِ المُسْلِمِينَ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني)، وهذا في الشوك والحجر، ونحوه مما يؤذي الأبدان؛ فكيف بما يؤذي القلوب والأديان -وهو أخطر وأشد-؟!

كم مِن شاب فتن بسبب النظر إليك؟!

كم مِن معصية أوقعتِ الرجال فيها ووقعتِ أنت كذلك؟!

بل كم مِن معصية تسببت فيها وعاد ضررها كذلك على أبويك ومَن سمح لك بالخروج متبرجة؟ وكيف ستكون نهاية هذا الطريق..؟!

ماذا لو رآك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقابلك في الطريق.. كيف سيكون لقاؤك بك ومقابلتك له؟! وماذا لو سألك عن الحجاب الذي أمرك به الإسلام.. ماذا سيكون الرد؟! وكيف سيكون عرضك على الله -تعالى-؟!

أسئلة تحتاج إلي إجابة.

أختاه يقول ربك: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه:82).

اللهم احفظ نساء المسلمين واسترهن في الدنيا والآخرة، ووفقهن لما تحب وترضى.. إنك بالإجابة جدير، وعلى كل شيء قدير، وأنت نعم المولى ونعم النصير.

وصلِّ اللهم على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.