كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أمَرَنا الله -عَزَّ وَجَلَّ- بتذَكُّر أيام الله التي ظهر فيها للخلق جميعًا أن ما تعودوا عليه من ليل ونهار، وشمس وقمر، واستقرار أحوال وملك بعضهم، وعجز آخرين واستضعافهم؛ أن ذلك كله ليس بأيديهم، وأن جريان العادة لا يعني أن الأمور تظل كذلك؛ بل تأتي أيام يظهر فيها ملكوت الله في السماوات وفي الأرض؛ يأمر بأوامر فتنقلب موازين الكون، وتتغير عادات الخلق؛ ويملك الضعيف، ويهلك الجبار المتكبر، فتظهر آثار إرادة الله لمَن عقلها، وشهد ملكوت السماوات والأرض لمن يكون، وبالتالي يكون مِن الموقنين.
أيام الله -عَزَّ وَجَلَّ- ينبغي أن يتذكرها الإنسان:
كان الطوفان مِن أيام الله، وكان يوم عاشوراء مِن أيام الله، وكان يوم عرفة، ويوم النحر من أيام الله، وهكذا كان يوم فتح مكة من أيام الله، وكان يوم إكمال الإسلام بالوحي المنزَّل على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يوم عرفة في حجة الوداع من أيام الله، ويوم فتح الله على المسلمين يوم قتل مسيلمة الكذاب، ويوم القادسية، ويوم اليرموك، ويوم فتح بيت المقدس، ويوم إعادة فتح بيت المقدس على يد صلاح الدين، كانت من أيام الله -تعالى-.
إن هذه الأيام التي تغيَّر فيها التاريخ، وتغيرت فيها العوائد، دائمًا يشهد مِن خلالها المؤمن أمر الله سُبْحَانَهُ وإرادته؛ كما قال الله -عَزَّ وَجَلَّ- في قصة موسى -عليه السلام- وهلاك فرعون -قبل أن يولد موسى-: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:5-6)؛ الأمور ظَلَّت مستقرة لسنواتٍ وعقود -بل والبعض يقول لقرونٍ-، ولا شك أن دولة الفراعنة مرَّت بقرون مِن الزمان وإن تتابع الملوك عليها، قرون وهم يشيدون فيها المباني والمعابد والأهرامات، يشيدون فيها ويرسمون على جدرانها تاريخ ملكهم؛ فتأمل اليوم.. ماذا يملك الفراعنة؟ صاروا محبوسين في توابيت، ينظر الناس إلى أجسادهم المحنطة وهم لا يملكون لأنفسهم شيئًا -لا نفعًا ولا ضرًّا-، صاروا مزاراتٍ سياحية بعد أن كانوا يُسَخِّرُون البَشَر لإرادتهم ويحشرونهم في غايتهم ويبنون الصروح بلا هدف ولا غاية إلا صرف الناس عن حقائق الإيمان التي جاء بها الرسل الكرام -صلوات الله عليهم أجمعين-، ثم لنعلم أن هذا الأمر أيضًا ينتظر مَن بعدهم ممَن ترونهم ملوك الأرض، وممن ترونهم أغنياء وكبراء؛ الذين يَأمرون فيُطاعون، ويسفكون الدماء، ويذبحون الأبناء، ويستحيون النساء، ويظلمون الخلق، ومع ذلك فالله -عَزَّ وَجَلَّ- مِن ورائهم محيط، ويبقى دين الأنبياء دين التوحيد.
أين ذهبت أديان الفراعنة وعجولهم وتماثيلهم التي نحتوها تشهد أنهم كانوا يشركون بالله، لهذه الآلهة الباطلة، ماذا يُعبد منها اليوم؟ صارت مثارًا لفكر المتفكرين وعبرة المعتبرين، وبقيت عبادة الله وحده -لا شريك له- التي جاء بها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِم وَسَلَّمَ-.
لقد كان يوم عاشوراء مِن أيام الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، نَصَر اللهُ فيه موسى وقومَه، وأهلَك فرعون وجندَه، وذُكِر عن ابن عباس أن يوم عاشوراء كان أيضًا يوم الزينة، اليوم الذي ظهرت فيه الحُجَّة قبل ظهور القوة والتمكين، فإن ظهور الحُجَّة مقدمة لظهور التمكين في الأرض بالقوة، كان يوم غرق فرعون قبل أن يغرق ببدنه؛ يوم غُلِب في حجته عندما ألقى موسى عصاه (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) (الأعراف:117-120).
رأى جَمعٌ من الخَلق كبيرٌ -قد حُشِروا في هذا اليوم- نفس الآية، ومع ذلك اختلفت المواقف اختلافًا عجيبًا، رأى فرعون وهامان وجنودهما عصا موسى تأكل كل الحيات تلقفها بسرعة عجيبة في لحظات معدودة، وكانوا -فيما يُذكر- عشرات الألوف من السحرة، كُلٌّ منهم معه حبله وعصيه، جُمعوا في ميدان واسع وصعيد أفيح وكل منهم يُلقي عصاه وحبله حتى خُيِّل لموسى نفسه مِن سحرهم أنها تسعى، وأوجس في نفسه خيفة موسى أن يقتنع الناس بهذا الباطل، كما يوجس أهل الحق إذا جاءت شبهات وشهوات لأهل الباطل أن ينصرف الناس إليها ويتركوا الحق، ويأتي التثبيت من الله (قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى . وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (طه:68-69)، لما قال الله له ذلك واجَهَهم قبل أن يُلقي فقال: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس:81).
وهكذا يقول كل مؤمن في رد الشبهات المُشَوِّهة للحق والشهوات المُغوِية إلى الباطل يقول: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ)، (وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا) (رواه مسلم)، البيان الذي يُزَيِّن الباطل ويقبح الحق ويشوِّه صورة أهل الحق والإيمان حتى يُقال عنهم أنواع السب، كما قالوا: ساحر مجنون، ساحر كذاب، شاعر مجنون؛ كم شتموا الرسل الكرام واتهموهم بأدوائهم هم، وأمراضهم هم؛ فهم المسرفون الكذابون، وهم السحرة الأفاكون.
قضيةٌ كُلِّيَّة في كل زمان ومكان: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)، لا في الدنيا يصلح، بل يَشقون بفسادهم ويُعذَّبون بأموالهم وأولادهم؛ (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة:55)، نعوذ بالله من ذلك؛ ولذلك قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، شقاءٌ عجيبٌ يقاسيه أهل الدنيا في لهثهم وراء شهواتهم وشبهاتهم، ولا يصلح الله عمل المفسدين!
وللحديث بقية -إن شاء الله-.