الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 22 يونيو 2026 - 7 محرم 1448هـ

عكرمة -رضي الله عنه- وقصة السفينة (5)

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا مع الفوائد والعِبَر في قصة إسلام عكرمة -رضي الله عنه-، وأن الله -تعالى- وحده النافع الضار، بيده وحده الضر والنفع، فلا يطلب جلب النفع ولا دفع الضر، أو رفعه بعد نزوله إلا منه:

قال الله - تبارك وتعالى-: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا) (الإسراء: 67).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يخبر -تعالى-: أنه إذا مس الناس ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين، ولهذا قال: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ). أي ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فاراً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين فتح مكة.. وذكر قصته -رضي الله عنه-. (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له. (وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا) أي سجيته ينسى النعم ويجحدها إلا من عصمه الله -تعالى-" (31، 32).

ثم لنقف ونتأمل كثيراً قول الملاحين: "أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا". وقولهم: "لا يجوز هاهنا أحد أن يدعو شيئاً إلا الله وحده مخلصاً". وأنهم جعلوا يدعون الله وحده ويوحدونه، وقالوا: "هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله". ففتح الله مغاليق قلب عكرمة -رضي الله عنه- وعينه وسمعه، فقال الحق الذي يجب أن ينير ويشرق في قلب كل إنسان؛ فكيف بالمسلم الموحد: "والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص، فلا ينجيني في البر غيره". الله أكبر على نور التوحيد عندما يشرق في قلب العبد، وينطق به لسانه. والحمد لله -تعالى- على رحمته بعبده، وهدايته له.

أخي الموحد: ليكن قلبك هكذا مشرقاً منيراً سليماً بتوحيد الله -تعالى- في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، معظماً له -تعالى-، عابداً له بجميع أنواع العبادة. واحذر سُرَّاق العقيدة، مروجي الفتن، الذين يريدون لفتنة القبور والغلو في أصحابها أن يستعر نارها، وينتشر شررها، واعلم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أخبرنا أنه لا يقوم على هذه الفتنة إلا شرار الناس!!. فقد قال -صلى الله عليه وسلم- وهو في مرض موته لما ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة -رضي الله عنهما- كنيسة بأرض الحبشة فيها تصاوير: (أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ) (متفق عليه). وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعاً: (إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) (رواه أحمد بسند صحيح). فاحذر عبد الله على دينك وتوحيدك، وسل ربك أن يمسكك الكتاب والسنة حتى تلقاه بها.

4- ومنها: سمو خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- ورحمته وسماحته، وحرصه على هداية الناس، وأن فرحه وسعادته العظيمة عندما يُطاع الرحمن، ويُعبد وحده لا شريك له؛ فإنه قد قام متعجّلاً ليس عليه رداء لاستقبال عكرمة فرحاً بإسلامه، ورحّب به، وقال: (مَرْحَبًا مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ). ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير قدوة، فينبغي أن تكون هذه أخلاقنا في دعوتنا الناس أجمعين. والله أعلم، وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.