الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 22 يونيو 2026 - 7 محرم 1448هـ

احذر.. إنَّ قلبك في الميزان (1)

كتبه/ أشرف فراج

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فنحن نبحر في الحياة ونعتني بأشياء، ونبدأ في الانشغال بها، ونلتفت إليها بعقولنا وقلوبنا، ثم تصبح ميزاننا في الرضا والسخط عن الناس. ثم ترى نفسك وقد ألهاك التكاثر، وكل الإشكال أنَّ هذا الالتهاء أصبح (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر: 2) فذهبت الفرصة! ولذلك قبل أن تقبل على الله لا بد أن ترى ما ميزانك عنده، اعتنِ بميزانك، انشغل به.

اعلم أنَّ لك ميزانًا ستأتي عليه وتوزن به، فلا تكن لحظة هذا الوزن حسراتٍ عليك! أنت متيقن أنك ستلقى الله وسيكلمك وستكلمه ما بينك وبينه ترجمان، فهل أشغلتك هذه اللحظة؟ وهل هذا الوزن كان أهم همومك؟ ومن الفطرة أن يشغلنا وزننا، لكن لم ننتفع بهذا الذي فُطرنا عليه كما ينبغي، فانشغلنا بميزاننا عند الناس ونسينا أنَّ هذه الحاجة الملحة تقول لك: إذا اهتممت بوزنك فاهتم بوزنك عند الله، إذا أردت أن تجمل نفسك فجمل نفسك أمام الله، لا تكن قبيحًا في حالك بينك وبين الله، في حالك التي يكشفك الله ويراك فيها وأنت مختبئ بعيد عن كل الناس.

إذًا هذا سؤال صعب وعظيم، سؤال مهم لا مفر منه في كل وقت وفي كل حين: في الخطوة القادمة ماذا سيكون ميزانك عند الله؟

لو فعلت كذا ماذا سيكون ميزانك؟ لو تركت كذا ماذا سيكون ميزانك؟ فكأنَّ هذا السؤال لن يأتي وقت وتنفصل عنه؛ لأنك تعلم أنَّ ربك شكور، يعطي على العمل القليل الأجر الكثير.

فتصور صدق قلب مع إماطة أذى يَثْقُل به ميزانك، فذلك الرجل مرَّ على غصن شوك في طريق المسلمين فأزاحه، فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة! فلما نتحرك لا بد أن نفهم أنَّ هذه الخطوة تثقيل أو تخفيف لميزاننا.

قد يقال: "لكن قد يأتي عمل في الوسط لا هو تثقيل ولا تخفيف"، وسنستسلم جدلًا لهذا الأمر ونقول: كم في الحياة من خطوات لن تثقلك ولن تخففك؟ إذا قلت الحياة كلها وأعمالك كلها إذًا ستخرج خسرانًا! لأنك لم تفعل فعلاً ثقَّل ميزانك، فسيبقى ميزانك خفيفًا، والمطلوب منك أن تثقل ميزانك لا أن تتركه.

لننظر إلى مقاييس الناس في وزن أنفسهم ووزن من حولهم: ورد في الحديث عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أنه قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: (مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟) فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ -أي: ثقيل ميزانه عند الناس- هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا!) (رواه البخاري).

تصور لو أنَّ هذا الشخص الذي هو من أشراف الناس وقف على مساحة الأرض شبرًا شبرًا، سيكون الفقير خيرًا من ملء الأرض من الأول، فلذلك كم من مدفوع بالأبواب لا قيمة له، ولا تدري ما قيمته عند الله، لا تدري لمَّا رددته رددت من! وهذا بناءً على أننا نقيس أوزان الناس على ظاهر الأمور، ونحن أيضًا نفكر في الأمر نفسه بالنسبة لأنفسنا، فميزاني عند الناس على حسب الصورة التي في ذهني عن احترام الناس، فأتصور أنَّ ما يحترمه الناس هو نفس ما يثقل ميزاني عند الله.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.