الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 22 يونيو 2026 - 7 محرم 1448هـ

رحلة الهجرة بين ألم البلاء ونور الأمل واليقين

كتبه/ محمد خلف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

ففي رحلة هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إعلامًا لنا بأنَّ الأمل لا ينقطع، وأن السبل إن ضاقت بك في أرض، فأرض الله واسعة.

نعم، قد يكون قرار التنقل أو التغيير من الحال الذي أنت فيه مكلفًا أو متعبًا ومشوبًا بالآلام والمحن، لكن في الحقيقة -بإذن الله- هو الطريق للسعادة والأمل من جديد؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لاقى أشد ما لاقاه من قومه حتى اضطره المجرمون إلى الهجرة، وهو -صلى الله عليه وسلم- كان حزينًا على ترك مكة.

فلا تظن أنَّ الأمر كان يسيرًا عليه -صلى الله عليه وسلم-، بل كان من الشدة بمكان حتى قال مخاطبًا مكة: (وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وكان لديه الاشتياق العظيم لهذا البلد الأمين، فبشره ربه بنور الأمل الذي يبث اليقين في النفوس أنه سيرجع ظاهرًا منتصرًا، فاتحًا مكة مرة أخرى؛ قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (القصص: 85)، أي: إلى مكة.

ومع ما تخلل هذه الرحلة المباركة من أمور عظام وتدبيرات، وأخذ بالأسباب من النبي -صلى الله عليه وسلم-، المعلِّم الناصح الأمين لأمته، تعليمًا لهم أن يأخذوا بالأسباب مع تعلق القلوب بربها، ومع بذله وسعه في هذا لتكتمل الرحلة بنجاح، فقد وصل المشركون إليه بالغار، حتى قال صاحبه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: (مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟) (متفق عليه)، ولكن الله غالب على أمره، كما قال -تعالى-: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 40).

وإن كان أهل مكة قد هموا وجمعوا على قتله، فثم أناس كرام يشتاقون كل الشوق لرؤيته -صلى الله عليه وسلم-، كما روى البخاري عن عائشة قالت: "وَيَسْمَعُ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابِهِ مُبَيِّضِينَ، يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ. فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِظَهْرِ الْحَرَّةِ".   

فهذه إشارة أيضًا إلى أنَّ المرء إن ضاقت به السبل في مكان، فثم مخرج وافر في مكان آخر، ولا تدري: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: 216).

ثم استقر النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة ونوَّرها -صلى الله عليه وسلم-، ثم كان فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وعاد -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة فاتحًا منتصرًا، ولكن مع ما تخلل ذلك -ولا شك- من آلام ومحن وفقد وابتلاءات له -صلى الله عليه وسلم-، وساعات كاد أن يُقتل فيها، كما في أُحُد التي قُتِل فيها سبعون من خيرة أصحابه -رضي الله عنهم-، ومقتل القراء بغزوة الرجيع، وما لاقاه -صلى الله عليه وسلم- من حصار المشركين في غزوة الأحزاب، وغير ذلك من الأمور العظام.

ولكن كل ذلك، وكان هو -صلى الله عليه وسلم- متيقنًا في نصر وكفاية وصدق وعد ربِّه: الذي هزم الأحزاب وحده، والذي بيده ملكوت كل شيء، يجير -سبحانه- ولا يجار عليه، وفي عزته -سبحانه-، وأنه ما شاء كان، وأنه غالب على أمره، وأنَّه إن أخَّر نصره عن عباده لوقت فلحِكَم جليلة اختبارًا وامتحانًا لهم، ليميز فيها الخبيث من الطيب؛ فإنَّ صرح التمكين يُبنى ويُروى بدماء البلاء والأنين. وكذا يمن عليهم في هذا البلاء باتخاذ الشهداء، وهي نعمة تزداد بشدة البلاء، فانظر إلى الحكيم الرحيم، حتى في بلائه رحيم بعباده.

والمؤمن يبصر موعود ربه بعين قلبه، ويبصر فرجه وتيسيره وإنعامه، ولو ضاقت به السبل وأظلم الأفق؛ فإنَّ نور الأمل واليقين في قلبه يتسع ويستنير به أمامه كل ضيق وظلمة، وله في رحلة هجرة نبيه -صلى الله عليه وسلم- أسوة وعبرة في هذا؛ فأبشر واعمل، وإياك واليأس والقعود، وخذ بأسباب النصر والتمكين والتغيير، وصبِّر نفسك بوعد العزيز الحكيم، والله قريب مجيب.

وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.