كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 180)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- ورد اسم الله (الودود) في القرآن مرتين، وذلك في قوله -تعالى-: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود: 90)، وقوله -تعالى-: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج: 14).
- المعنى اللغوي: قال في اللسان: "الود مصدر المودة". وقال ابن سِيدَه: "الود الحب يكون في جميع مداخل الخير"(1).
- المعنى في حق الله -تعالى-: قال ابن سيده: "الودود: المحب الشديد المحبة". وقال ابن القيم: "الودود المتودد إلى عباده بنعمه، الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه، وهو الودود أيضًا، أي: المحبوب" (التبيان في أقسام القرآن).
- مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرف على هذا الاسم "الودود": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني). والودود: كثيرة التودد لزوجها (بالأقوال والأفعال) التي يحبها إظهارًا لمحبته(2)؛ فكيف بالودود الذي خلق المودة في قلوب المتوددين إذا تودد لمن يحبهم من عباده؟!
الوقفة الأولى: من مظاهر تودد الودود -سبحانه- لعباده:
- الودود من الخلق يسبق محبوبه بإعلان المحبة له، فكيف بمن كانت الصفة له على كمالها وطلاقتها؟ قال الودود -سبحانه-: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (المائدة: 54). قال ابن الجوزي: "سبحان مَن سبقت محبته لأحبابه؛ فمدحهم على ما وهب لهم، واشترى منهم ما أعطاهم... أعطاهم المال، ثم خاطبهم بإنفاق بعضه في سبيله، وتودد إليهم بعد ذلك بإعلان المكافأة منه على ذلك (الجنة)، وأعطاهم الصحة والعافية، ثم خاطبهم ببذل شيء منها في الجهاد في سبيله، وتودد إليهم بعد ذلك بإعلان المكافأة منه على ذلك (الجنة)، وهكذا، وهلم جرًّا" (ينظر: صيد الخاطر).
- أنه -سبحانه- لا يرفع وده عن المذنبين، وإن تكررت ذنوبهم، بخلاف ما يظنه مَن نقصت معرفته بربه من أنه -سبحانه- إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود الذي كان له منه قبل الجناية!: قال ابن القيم -رحمه الله-: "تأمل سر اقتران هذين الاسمين في قوله -تعالى-: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ)، تجد فيه من الرد والإنكار على من قال: "لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبدًا" (طريق الهجرتين).
وقال -رحمه الله-: "وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور، فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يحب، والرب -تعالى- يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبه مع ذلك، ولو كان منه ما كان، فإنه يحب التوابين" (التبيان في أقسام القرآن).
- وقفة: من أنت أيها العبد الفقير حتى يتودد إليك أغنى الأغنياء؟! ومن أنت أيها العبد الذليل حتى يتودد إليك العزيز جل في علاه؟!: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ) (رواه مسلم).
وقال ابن القيم في "الفوائد": "ليس العجب من مملوك يتذلل لله ويتعبد له، ولا يمل من خدمته مع حاجته وفقره إليه؛ إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوك بصنوف إنعامه، ويتودد إليه بأنواع إحسانه مع غناه عنه. كفى بك عزًّا أنك له عبد، وكفى بك فخرًا أنه لك رب".
الوقفة الثانية: الأسباب الجالبة لمودة الودود -سبحانه-:
1- معرفة الله: فالتعرف عليه -تعالى- يجلب مودته؛ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِنَ الْعَبْدِ إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قَالَ: عَبْدِي عَرَفَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ وَيُعَاقِبُ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).
2- حب النبي -صلى الله عليه وسلم- واتباع سنته: قال -تعالى-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 31).
3- حب القرآن وتلاوته بتدبر وتفكر: عن عائشة -رضي الله عنها-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: (سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ)، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ) (متفق عليه).
4- الانكسار والذل بين يدي العزيز الجبار: فأقرب ما يكون العبد من الرب حال انكساره بين يديه؛ قال ابن رجب: "لو قام المذنبون في هذه الأسحار على أقدام الانكسار، ورفعوا قصص الاعتذار مضمونها: (يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) (يوسف: 88)، لبرز لهم التوقيع عليها: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 92)" (لطائف المعارف).
5- التقرب إليه بالفروض وكثرة النوافل، لا سيما الصلاة: ففي الحديث القدسي: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) (رواه البخاري).
6- محبة أولياء الله ومجالسة الصالحين المحبين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ عز وجل قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ) (رواه مسلم).
7- الزهد في الدنيا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).
8- محبة لقاء الله والاستعداد له بالزيادة في الأعمال الصالحة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) (متفق عليه).
9- تذكر نعيم أهل الجنة، ورؤيتهم لربهم: فاستحضار هذه اللحظة يملأ القلب محبة للمنعم -سبحانه-، التي أعظم أسباب وده لعبده: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (فاطر: 34-35) وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (مريم: 97).
خاتمة:
- إذا أردت أن يكون لك حظ عظيم من اسم الله -تعالى- (الودود)؛ فتودد إليه بالأعمال الصالحة، وإن وصلت إلى تلك المنزلة، ستنال محبة الله -عز وجل- وملائكته، ويوضع لك قبولًا من أهل الأرض، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ) (متفق عليه).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفرق بين الحب والود: قال العلماء: "إن الحب ما استقر في القلب، والود ما ظهر على السلوك؛ فكل ودود محب، وليس كل محب ودودًا". قلت: هذا في حق المخلوق، وأما في حق الله -تعالى-، فإنه إذا أحب عبده تودد إليه، بل يتودد إلى التائبين من الذنوب، فهو القائل: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ).
(2) يحسن ضرب بعض الأمثلة من مواقف الزوجة الودود (تجنبها لكل ما يغضب زوجها - ومسارعتها في كل ما يسعده، فتودد إليه بألوان من الأمور التي تحببه فيها (طعام، شراب، تزيين المكان، إلخ) فكيف بتودد الملك الغني الذي عنده خزائن السماوات والأرض، ويملك أعظم ما يتنعم به مَن أحبه "الجنة"؟!