كتبه/ زين العابدين كامل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
معركة حَارِم (رمضان 559هـ):
لقد قام شاور الوزير الشيعي بنقض اتفاق كان قد عقده مع نور الدين، فغدر وخان، بل تحالف مع الصليبيين ضد أسد الدين، واستنجد بعموري الأول الذي كان يتأهب للزحف على مصر، وعرض عليه أموالًا ضخمة مقابل مساعدته لإخراج أسد الدين شيركوه من مصر، وبالفعل أسرع ملك بيت المقدس بالزحف إلى مصر واتصل فور وصوله إلى مدينة فاقوس بشاور، واتفقا على حصار أسد الدين في بلبيس، وعندما بلغ ذلك الخبر إلى نور الدين محمود، لجأ إلى تشديد هجماته على أملاك الصليبيين في بلاد الشام، فقام في رمضان (559هـ) بمهاجمة قلعة حَارِم -حارم: عبارة عن حصن حصين، وكورة جليلة تجاه أنطاكية، وهي الآن من أعمال حلب-، وتمكَّن من استردادها من الصليبيين بعد مقتل أكثر من عشرة آلاف منهم، وأَسَر عددًا آخر من بينهم عدد من قادتهم، وفي النهاية اتفق الطرفان على الصلح على أن يغادر الطرفان مصر.
وذكر المؤرخون أنه قبيل المعركة انفرد نور الدين بنفسه تحت تلٍّ من التلال، وحينما التقى الجيشان سجد لربه، ومرَّغ وجهه في التراب وتضرع، وقال: "هؤلاء يا رب عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك، يا رب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب نور الدين وذنوبه" (راجع: الدولة العباسية، زين العابدين كامل).
معركة عين جالوت (رمضان 658هـ):
لقد سقطت الدولة والخلافة العباسية عام 656هـ، وسيطر التتار على أرض الشام أيضًا، وبعد سقوط المدن الإسلامية الواحدة تلو الأخرى في سوريا والأردن وفلسطين وتركيا، لم يعد أمام التتار سوى مصر، فهي الهدف الاستراتيجي للمغول، وذلك نظرًا لقوتها وموقعها، فهي بوابة إفريقيا.
رسالة هولاكو: أرسل هولاكو رسالة إلى قطز مليئة بالتهديد والوعيد، وهنا جمع قطز مستشاريه وعرض عليهم الأمر؛ فمنهم من اقترح أن نستسلم فهو يملك من الصين إلى حدود مصر، وليس لنا طاقة بهؤلاء فلم يثبت أمامهم جيش، ومنهم من طالب بالجهاد، ومنهم من اقترح قتل الرسل كالظاهر بيبرس، فقرر بعد أن استشار مجلسه العسكري أن يقتل رسل هولاكو الأربعة الذين جاءوا بالرسالة التهديدية، وأن يعلق رؤوسهم على باب زويلة في القاهرة؛ حتى يراها أكبر عدد من المسلمين في مصر، وكان يرمي بذلك إلى طمأنة الشعب بأن قائدهم لا يخشى التتار، ويرفع من معنويات الشعب بذلك، والإعلان للتتار أنهم قادمون على قوم يختلفون كثيرًا عن الأقوام الذين قابلوهم من قبل (مع أن الرسل لا تقتل في الإسلام) ولعله اعتبرهم محاربين.
النفير العام: أعلن قطز النفير العام، وهنا وضع قطز خطة تختلف عن كلِّ مَن سبقه مِن أمراء وحكام كل المدن والدول التي سقطت أمام المغول كانوا ينتظرون قدوم المغول ويتحصنون في بلادهم، ثم يقومون بواجب الدفاع؛ أما قطز فرأى أن مبدأ التحصن ليس في محله ولابد من مواجهتهم قبل وصولهم إلى الأراضي المصرية، ولذا اختار أن تكون المواجهة على أرض فلسطين، بمنطقة عين جالوت.
بداية المواجهات: أخذ قطز يحرض المسلمين على القتال وحذرهم من عاقبة الهزيمة وما جرى للأقاليم من الدمار والقتل والسبي، وأخذ العلماء يحثون الناس على الجهاد، ويبدأ بيبرس ويتحرك على رأس جيش إلى مدينة غزة، في شعبان عام 658هـ، وانتصر على الحامية المغولية في غزة، وفر التتار من أمام المسلمين، وسيطر المسلمون على مدينة غزة، وكان لهذا النصر أثر إيجابي على المسلمين وسلبي على المغول.
قطز يتحرك نحو فلسطين: تحرك قطز على رأس جيشه إلى فلسطين، ولا يزال بيبرس يناوش المغول عند سهل عين جالوت، ووصل قطز إلى عين جالوت يوم 25 رمضان 658هـ، ويقع سهل عين جالوت على مسافة 65 كيلومتر جنوب منطقة حطين التي دارت فيها الموقعة الخالدة حطين في سنة 583 هـ.
ووضع قطز خطة عسكرية حكيمة؛ فقد قام بإخفاء القوات الرئيسية بين التلال، ولم يُظهر للعدو إلا المقدمة التي يرأسها بيبرس، وهنا بلع قائد المغول كتبغا الطعم بكل سذاجة، وهجم بكل قواته على المقدمة، ظنًّا منه أن هذا هو جيش المسلمين، وهنا وعلى حسب الخطة بدأ بيبرس يتقهقر ويتراجع وسط التلال، وفجأة ظهرت القوات الإسلامية وتم تطويق جيش المغول، ثم وقع القتال الشديد بين الطرفين، وفي البداية انكسرت ميسرة المسلمين، وحدث بعض الاضطراب في جيش المماليك، وهنا ألقى قطز بنفسه وسط الجيش وأخذ يصرخ بأعلى صوته: "وإسلاماه"، ويدعو: اللهم انصر عبدك قطز على التتار، وأخذ يحرض المسلمين على القتال، وبعد عدة ساعات تفوق المسلمون على التتار، وبدأ التتار في الهرب والفرار، وهنا نزل قطز من على فرسه ومرغ وجهه في التراب تذللا لله، وصلى ركعتين، واستمر بيبرس في مطاردة فلول التتار واستطاع اللحاق بكثير منهم، وهزمهم هزيمة منكرة.
ثم قرر قطز أن تكون محطة التحرير الأولى هي دمشق، وقبل أن يتحرك أرسل إلى أهل الشام رسالة يبشرهم فيها بالفتح العظيم في عين جالوت، وما إن وصلت الرسالة حتى قام جنود التتار بالهروب قبل قدوم قطز، وتحول جنود التتار إلى أقزام.
ثم وصل قطز يوم الثلاثين من رمضان إلى دمشق، وهنا خرج الناس إلى استقباله، وبدأت رحلة التحرير، ثم أعلن توحيد مصر والشام تحت راية واحدة.
فتح أنطاكية (رمضان 666هـ):
تعد مدينة أنطاكية من أهم مدن الشام، وقد فتحها المسلمون في عصر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظلت هذه المدينة بأيدي المسلمين إلى أن بدأت الحملات الصليبية على بلاد الشام، فكانت أنطاكية من أوائل المدن التي سقطت، وكان سقوطها عام491هـ، وظلت المدينة تحت سيطرة الصليبيين حتى تولى الملك الظاهر بيبرس سلطنة المماليك عام 658هـ، وعمل على استرداد وتحرير المدن الإسلامية من أيدي الصليبيين، فقام بطرد التتار وانتصر عليهم، ثم استطاع أن يحرر كثيرًا من المدن والحصون؛ مثل: قيسارية وأرسوف وصفد الكرك ويافا، ثم توجه بجيوشه نحو أنطاكية وضرب عليها الحصار.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "فخرج إليه أهلها يطلبون منه الأمان، وشرطوا شروطًا له عليهم، فأبى أن يجيبهم وردهم خائبين وصمم على حصارها، ففتحها يوم السبت رابع عشر رمضان بحول الله وقوته وتأييده ونصره، وغنم منها شيئًا كثيرًا، وأطلق للأمراء أموالًا جزيلة، ووجد من أسارى المسلمين من الحلبيين فيها خلقًا كثيرًا؛ كل هذا في مقدار أربعة أيام" (البداية والنهاية).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.