الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 30 مارس 2025 - 1 شوال 1446هـ

كيف تحصل ثمرة الدعاء؟

كتبه/ محمد سرحان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلتحصيل ثمرة الدعاء عشرة أسباب:

الأول: أن يترصَّد لدعائه الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، والجمعة من أيام الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل؛ قال -تعالى-: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات: 18)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَنزلُ اللهُ -تعالى- كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا حينَ يَبقى ثلثُ الليلِ الآخرِ، فيقولُ -عزَّ وجلَّ-: من يَدعوني فأَستجيبَ له، من يَسألني فأُعطيه، من يَستغفرني فأَغفرَ له) (متفق عليه). وقيلَ: إنَّ يعقوبَ -عليه السلام- إنما قال: "سَوفَ أَستغفرُ لكم ربي" ليَدعوَ في وقتِ السحرِ. 

الثاني: أن يَغتنمَ الأحوالَ الشريفةَ. قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "إنَّ أبوابَ السماءِ تُفتَحُ عندَ زحفِ الصفوفِ في سبيلِ اللهِ -تعالى-، وعندَ نزولِ الغيثِ، وعندَ إقامةِ الصلواتِ المكتوبةِ، فاغتنموا الدعاءَ فيها"، وقال مجاهدٌ: إنَّ الصلاةَ جُعِلَت في خيرِ الساعاتِ، فعليكم بالدعاءِ خلفَ الصفوفِ.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ ‌الأَذَانِ ‌وَالإِقَامَةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن الصائمَ لا تُرَدُّ دعوتُهُ.

وفي الحقيقةِ يَرجعُ شرفُ الأوقاتِ إلى شرفِ الحالاتِ أيضًا؛ إذ وقتُ السحرِ وقتُ صفاءِ القلبِ وإخلاصِهِ وفراغِهِ من المهوشاتِ، ويومُ عرفةَ ويومُ الجمعةِ وقتُ اجتماعِ الهممِ وتعاونِ القلوبِ على استدرارِ رحمةِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-، فهذا أحدُ أسبابِ شرفِ الأوقاتِ سوى ما فيها من أسرارٍ لا يُطَّلَعُ عليها. وحالةُ السجودِ أيضًا أجدرُ بالإجابةِ؛ قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (‌أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ ‌وَهُوَ ‌سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) (رواه مسلم).

وعن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قال: (‌إِنِّي ‌نُهِيتُ ‌أَنْ ‌أَقْرَأَ ‌الْقُرْآنَ ‌رَاكِعًا ‌أَوْ ‌سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ) (رواه مسلم)

الثالثُ: أن يَدعوَ مُستقبلَ القبلةِ، ويَرفعَ يَدَيهِ قِبالةَ وجهِهِ، أو نحوَ ذلك. وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: "أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أتى الموقفَ بعرفةَ واستقبلَ القبلةَ ولَم يَزَل يَدعو حتى غربتِ الشمسُ" (رواه مسلم)، وقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ رَبَّكُمْ تبارك وتعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، ‌يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا ‌صِفْرًا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

الرابعُ: خفضُ الصوتِ بينَ المخافتةِ والجهرِ؛ لما وردَ أنَّ أبا موسى الأشعريَّ قال: قَدِمنا مع رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فلما دَنَونا من المدينةِ كبَّرَ وكبَّرَ الناسُ ورفعوا أصواتَهم، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ ‌أَصَمَّ ‌وَلَا غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ) (متفق عليه).

وقالت عائشةُ -رضي الله عنها- في قوله -عزَّ وجلَّ-: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) (الإسراء: 110)، أي: بدعائِكَ. وقد أثنى اللهُ -عزَّ وجلَّ- على نبيِّهِ زكريا -عليه السلام- حيثُ قال: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) (مريم: 3)، وقال -عزَّ وجلَّ-: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) (الأعراف: 55)

الخامسُ: ألا يَتكلَّفَ السَّجعَ في الدعاءِ، فإنَّ حالَ الداعي يَنبغي أن يَكونَ حالَ مُتضرِّعٍ، والتكلُّفُ لا يُناسبُهُ. قال -صلى الله عليه وسلم-: (‌سَيَكُونُ ‌قَوْمٌ ‌يَعْتَدُونَ ‌فِي ‌الدُّعَاءِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

وقد قال -عز وجل-: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف: 55). قيلَ معناهُ: التكلُّفُ للأسجاعِ، والأولى ألا يُجاوزَ الدعواتِ المأثورةِ، فإنَّهُ قد يَتعدَّى في دعائِهِ فيَسألَ ما لا تَقتضيهِ مصلحتُهُ، فما كلُّ أحدٍ يُحسنُ الدعاءَ.

السادسُ: التضرُّعُ والخشوعُ، والرغبةُ والرهبةُ. قال اللهُ -تعالى-: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) (الأنبياء: 90)، وقال -عز وجل-: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف: 55)

السابعُ: أن يَجزمَ الدعاءَ، ويَوقنَ بالإجابةِ، ويَصدقَ رجاؤُهُ فيه. قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ ‌فَإِنَّهُ ‌لَا ‌مُكْرِهَ ‌لَهُ) (متفق عليه). وقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللهَ لَا ‌يَتَعَاظَمُهُ ‌شَيْءٌ أَعْطَاهُ) (رواه مسلم).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ادْعُوا ‌اللَّهَ ‌وَأَنْتُمْ ‌مُوقِنُونَ ‌بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وقال سفيانُ بنُ عيينةَ: "لا يَمنعنَّ أحدَكم من الدعاءِ ما يَعلمُ من نفسِهِ، فإنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- أجابَ دعاءَ شرِّ الخلقِ إبليسَ لعنه اللهُ، إذ قال: (أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) (الأعراف: 14، 15)". 

الثامنُ: أن يُلحَّ في الدعاءِ ويُكرِّرَهُ ثلاثًا. قال ابنُ مسعودٍ: "كانَ -صلى الله عليه وسلم- إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سألَ سألَ ثلاثًا" (رواه مسلم). ويَنبغي ألا يَستبطئَ الإجابةَ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "يُستجابُ لأحدِكم ما لم يَعجلْ فيقولَ: قد دَعَوتُ فلم يُستَجَبْ لي، فإذا دَعَوتَ فاسألِ اللهَ كثيرًا، فإنَّكَ تَدعو كريمًا" متفقٌ عليه. وقال بعضُهم: إنِّي سألتُ اللهَ -عزَّ وجلَّ- منذُ عشرينَ سنةً حاجةً، وما أجابني، وأنا أرجو الإجابةَ، سألتُ اللهَ أن يُوفِّقَني لتركِ ما لا يُعينني. 

التاسعُ: أن يَفتتحَ الدعاءَ بذكرِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-، وحمدِهِ، والصلاةِ على رسولِهِ -صلى الله عليه وسلم-، ويَختمَهُ به، فلا يَبدأَ بالسؤالِ؛ قال أبو سليمانَ الدارانيُّ -رحمه الله-: "من أرادَ أن يَسألَ اللهَ حاجتَهُ فليَبدأْ بالصلاةِ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ثم يَسألَهُ حاجتَهُ، ثم يَختمَ بالصلاةِ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- يَقبلُ الصلاتَينِ، وهو أكرمُ أن يَدَعَ ما بينَهما". 

العاشرُ: وهو الأدبُ الباطنُ -وهو الأصلُ في الإجابةِ- التوبةُ، وردُّ المظالمِ، والإقبالُ على اللهِ -عزَّ وجلَّ- بكُنهِ الهمةِ، فذلكَ هو السببُ القريبُ في الإجابةِ؛ قال الأوزاعيُّ: "خرجَ الناسُ يَستسقونَ، فقامَ فيهم بلالُ بنُ سعدٍ، فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: يا معشرَ من حضرَ، ألستم مُقرِّينَ بالإساءةِ؟ فقالوا: اللهمَّ نعم، فقال: "اللهمَّ إنَّا قد سمعناكَ تقولُ: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) (التوبة: 91)، وقد أقرَرْنا بالإساءةِ، فهل تَكونُ مغفرتُكَ إلا لمثلِنا، اللهمَّ فاغفر لنا وارحمنا واسقِنا. فرفعَ يَدَيهِ ورفعوا أيديَهم فسقَوا". 

وصلِّ اللهمَّ وبارك على عبدِكَ وخليلِكَ محمدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلم.