الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 07 نوفمبر 2019 - 10 ربيع الأول 1441هـ

مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (3)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمن أخطر أسباب انتشار القسوة في مجتمعٍ مِن المجتمعات: انتشار الفواحش، وقد قرن الله -عَزَّ وَجَلَّ- في كتابه بين النهي عن القتل والنهي عن الزنا في مواضع، كما قال -تعالى- في سورة الإسراء: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا . وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا . وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (الإسراء:31-33).

وقال سُبْحَانَهُ في سورة الأنعام: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الأنعام:151).

وقال في سورة الفرقان: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (الفرقان:68-69).

ومَن تأمل الآيات وتأمل أحوال الناس وجد أن أشد مظاهر القسوة؛ قتل الأولاد من إملاق -أي لوجود الفقر فعليًّا-، أو خشية إملاق -لخوف وجوده وتوقعه في المستقبل-؛ ولذا ذكر سُبْحَانَهُ في الفقر الموجود رزق المخاطبين الآباء قبل رزق الأولاد فقال: (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)، أما في الخوف من الفقر في المستقبل فذكر رزق الأولاد قبل رزق الآباء، فقال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ).

ولا شك أن قتل أولاد الزنا أضعاف قتل أولاد الزواج، وإضافة إلى الفقر المتوقع بسبب انتشار الزنا -لأنه يمحق البركة- يكون القتل خوف العار، ولا شك أن هذه الجريمة أعظم من قتل النفوس الأخرى، والطفولة البريئة التي لم تعمل الإثم، ثم التي تربطها مع القاتل رابطة البنوة التي جعلها الله -عَزَّ وَجَلَّ- علاقة الفطرية بين الوالدين والأولاد تمنع في الفِطَر السليمة قتل الأولاد أو أذيتهم، ولكن لما كانت الفواحش انتكاسًا للفطرة وتبديلًا لها طمست أثرها في قلب الإنسان حتى يتجرأ على قتل ولده الصغير؛ لأن علاقة الجنس حين تصبح شهوة مجردة عن البناء -بناء الأسرة والفرد- تصبح أداة هدم وتدمير.

ولذا كان فسق كثير من الأمم والشعوب في هذا الأمر سببًا لدمارهم وهلاكهم كما قال -تعالى-: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء:16)، وقد قَصَّ التاريخ علينا في الأمم السابقة قصة قرى دفنت بأكملها تحت براكين ثائرة على أوضاعهم في الفواحش -كقرية مومباي المشهورة-، وقد قَصَّ الله علينا في مواضع من كتابه قصة قوم لوط، وكيف كان هلاكهم بسبب الشهوة المحرمة التي لا تحتمل البناء بحالٍ -لأسرةٍ ولا لفردٍ- وهي إتيان الرجال.

وقد أضافوا إلى جريمة إتيان الذكور وترك أزواجهم -مما يؤدي إلى انتشار الشذوذ بين النساء أيضًا- الإعلان بهذه الفواحش وفعلها أمام أعين الناس! قال -تعالى-: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) (النمل:54)، وقال عنهم: (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) (العنكبوت:29)، فنواديهم وأماكن اجتماعاتهم كان معتادًا فيها كشف العورات وفعل الفواحش علنًا! كما يفعل الكفار والفجار في زماننا في حفلات الجنس الجماعي التي زادوا الأمر فيها سوءًا، وزادوا البلاء -في زماننا- بتصوير هذه المشاهد وعرضها على المواقع الإباحية أو مواقع التواصل؛ هذا البلاء الذي لم يسبق له نظير في البشرية قبل ظهور وسائل التواصل، وانتشار الصور والفيديوهات؛ وليسوا يأتون الفاحشة وهم يُبصِرون، بل والعالم يُبصِر! وملايين المشاهدات على المقطع الواحد؛ فكيف بمئات الملايين من المقاطع الفاضحة على عشرات الألوف من المواقع الإباحية التي تخترق البيوت وتخترق عقول الشباب وقلوبهم وأبصارهم بلا ثمن مبذول إلا تدمير المجتمعات وتخريب الآدمية داخل الإنسان؟!

فلذلك يسهل عليهم القتل والاغتصاب والاعتداء للوصول إلى الغاية الحقيرة ثم إرادة التخلص من تبعاتها في الدنيا؛ ويكون القتل بعد الاغتصاب أو بالممارسة الخبيثة تحت تأثير الخمر والمخدرات نهاية قريبة لمثل هذه العلاقات، أو قتل الأولاد الناشئين عن هذه العلاقة المُحَرَّمة قبل الولادة بالإجهاض أو بعد الولادة بالوأد أو بالإلقاء في المزابل وعلى قارعة الطريق أو أبواب المساجد، في مشهد فظيع من أشد مظاهر القسوة!

ويأتي زنا المحارم كصورة مقيتة فظيعة من الإجرام؛ إذ يستغل المُجرِم أسمى العلاقات الإنسانية -كالأُبُوَّة أو الأخوة أو البُنُوَّة أو الأمومة- وهي التي فُطر الإنسان على تجردها عن الشهوة الجنسية -ليتحقق كمال الرعاية والحفظ والعناية-؛ فيستغلها المجرم لتسهيل ارتكاب جريمته لضعف الطرف الآخر أو عجزه أو سذاجته أو رغبته وحرصه على الستر؛ ولذا كانت العقوبة المُغَلَّظة شرعًا في زنا المحارم بتَحَتُّم القتل للتخلص من هذا المقت كما وصفه الله -عَزَّ وَجَلَّ- في كتابه فقال: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) (النساء:22)؛ فكيف بالأب مع ابنته أو الأم مع ابنها أو الأخ مع أخته؟! فهي أبشع وأمقَت، وقد أرسل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعض أصحابه برايةٍ فأمَرَه أن يقتل رجلًا نكح امرأة أبيه وأن يخمِّس ماله.

ولقد جعل الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عقوبة الزنا من أشد العقوبات؛ فحد الزانية والزاني غير المحصنين ذكره الله في كتابه نصًّا، فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور:2)، وأما المحصَن والمحصَنة -وهما كل مَن وطأ في نكاح شرعي صحيح ولو مرة- فقد بَيَّن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في سُنَّته حده، فقال: (خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ) (رواه مسلم).

أما الشذوذ الجنسي مع الرجال -وهو فعل قوم لوط- فحَدُّه القتل؛ لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ، وَالْمَفْعُولَ بِهِ) (رواه أحمد وأصحاب السنن، والحاكم في المستدرك وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وصححه الألباني)، وأما بين النساء فأكثر العلماء على التعزير البليغ.

وما انتشار حوادث القتل والاغتصاب إلا بسبب انتشار مقدمات الفواحش؛ من المواقع الإباحية التي يجب منعها وحجبها، وعقوبة مَن ينشرها أو يستعملها؛ والسُّلطات لو أرادت لفَعَلَت أو -على الأقل- قَلَّلَت، فإذا أرادت عاقبت، فنسأل الله أن يهدي المسئولين للقيام بواجبهم.

ومن أعظم الأسباب: فتح باب العلاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الزواج باسم الصداقة، وقد حَذَّر الله من السفاح واتخاذ الأخدان -وهم أصدقاء الممارسة الجنسية كما يسمى في زماننا: "boy-friend & girl-friend"، وقال -تعالى-: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) (المائدة:5)، وقال -تعالى-: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) (النساء:25)؛ فكلا الفعلين -أعني السفاح العلني أو الزنا مع الصديق والصديقة- جريمة من أعظم الكبائر.

ولا شك أن التبرج من أعظم مقدمات انتشار الفواحش التي تؤدي إلى الاغتصاب والقتل والإجهاض، وقتل الأولاد؛ ولذا كان تحذير الشرع من التبرج كما قال -تعالى-: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب:33)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) (رواه مسلم).

فالتبرج كبيرة من الكبائر؛ لأنه يؤدي إلى زنا أعضاء الجسم الذي هو مقدمة الفاحشة الكبرى، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَزِنَا الْعَيْنِ: النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ: الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ: تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ: يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) (متفق عليه). وفي روايات أخرى: (والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش <اللمس>، والرِّجل تزني وزناها المشي، والفم يزني وزناه القبل، واللسان يزني وزناه الكلام، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يُصَدِّق ذلك أو يُكَذِّبه"، والدعوة إلى الحجاب ونبذ الاختلاط المُحَرَّم من أعظم أسباب حماية المجتمع وإبعاده عن سبب عظيم من أسباب الهلاك.

نسأل الله العافية.