إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 17 أبريل 2018 - 1 شعبان 1439هـ

جسر التعب!

كتبه/ محمد صلاح الإتربي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فلله در أبي تمام حين قال للمعتصم:

بصرتَ بالراحة الكبرى فلم ترها                    تُـنـال إلا على جـسـرٍ مِن التـعـب

فلقد أبدع في تصوير حقيقة بديهية عند بني البشر؛ فهذا الطبيب الذي لا يعمل سوى ساعتين ويكسب الأموال الطائلة لم يبلغ هذه الراحة إلا بعد ما عانى الأيام والليالي سهرًا بيْن الكتب والمستشفيات.

وهذا القارئ المتقن الذي يقرأ القرآن ولا يخطئ، ويراجع ورده مِن غير مصحفٍ، كم اقتطع مِن أوقاته حفظًا وتلاوةً ومراجعة!

وهذا الشيخ العالم الذي يجيبك على سؤالك فور أن تسأل، ويخبرك بموطن الدليل بكل يسرٍ وسهولةٍ لم يبلغ ذلك إلا بعد سنينٍ مِن البذل والجهد، ولكم ضحى بأوقاته وأمواله جريًا بيْن الأزقة والدور ليدرك مجالس الشيوخ!

وهذا الكاتب المتفنن الذي يستطيع أن يعبِّر عن المعنى الرائق بكل يسر وسهولة كم قضى مِن أوقات يقرأ ويدرس ويتعلم ويكابد الكتابة.

وهذا التاجر الغني الذي تزيد ثروته وهو جالس في بيته لم يكن هكذا في أول أمره؛ فلكم بذل مِن الوقت والجهد في سبيل نماء تجارته.

وهكذا دواليك...

لن تجد دربًا مِن دروب الحياة يصل أحد إلى تحصيل الراحة فيه إلا عبْر طريقٍ طويلٍ مِن البذل والجهد، ولو أنك نظرت إلى هؤلاء الذين يتمنى كثير مِن الناس أن يرتاحوا مثلهم؛ لوجدت أن القاسم المشترك الوحيد بينهم هو المرور مِن على هذا الجسر؛ إنه "جسر التعب"، والبذل والتضحية والاجتهاد في سبيل تحصيل ما وصلوا إليه؛ لذا لا أجدني أبالغ إن قلتُ إن هذا الأمر هو سنة كونية قبْل أن يكون سنة شرعية.

وما أبصرَ الأمام أحمد حينما سئل: "متى الراحة؟". فقال: "عند أول قدم تضعها في الجنة!".

أجل؛ فجنة عرضها السماوات والأرض لن تُنال بمجرد الأماني والأفكار، بل بالعمل والبذل والاجتهاد.

وما أصدق قول المتنبي:

وإذا النـفـوس كانت كبارًا                 تعبت في مرادها الأجسام

تدبر هذا ثم اعجب معي لمَن يريد أن يتربع على رأس القمة مرتاحًا دون أن يبذل مِن الجهد أو يحصل مِن الأسباب ما يأتي بعشر معشار ما يرنو ويصبو إليه!

نعم، إنك لتعجب أشد العجب مِن طالبٍ لم يذاكر ثم هو يريد أن يكون الأول على أقرانه، بل لربما اتهمته في عقله؛ إذ إن مما جُبل عليه البشر تقديم الأسباب لتحصيل النتائج.

وللأسف فإن القائمة بها الكثير؛ فهذا طالب علم ينام الليالي ويضيع الأوقات ثم يرجو إمامة في الدين!

وهذا مسؤول عن عملٍ قلما تذكره أو خطر بباله ثم يظن أنه أول المرشحين للترقي والتكريم!

وهذا أخ يشتكي أنه لا يستمتع بقيام الليل وهو لم يكابده إلا أيامًا قليلة!

وهذه أمة لا تأخذ بأسباب المجد ولا الرفعة ثم ترجو أن تكون في صدر الأمم هكذا بلا تعبٍ ولا نصبٍ ولا عمل!

أيها القارئ الكريم... إن المرور مِن على هذا الجسر لهو أحد سنن الحياة، ولا بلوغ للراحة إلا بالمرور مِن عليه، وستمر عليه شئت أم أبيت؟ فمر عليه مختارًا قبْل أن تمر عليه مكرهًا، وحينها لن ينفعك مرورك عليه.

أعانني الله وإياك على بلوغ مرضاته.