إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 24 يونيو 2017 - 29 رمضان 1438هـ

الفرح بالعيد والثبات على العود الحميد

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن خيرات رمضان وبركاته العظيمة على الأمة الإسلامية أن كثيرًا مِن المسلمين يعودون فيه عودًا حميدًا إلى ربهم -تبارك وتعالى- ويتوبون إليه، ويواظبون على الصلاة في أوقاتها، ويتلون القرآن، ويكثرون مِن الذكر والدعاء، ويخرجون مع نسائهم وأولادهم لصلاة التراويح، ويقبلون على الاجتهاد في طاعة الله -تعالى-؛ رغم القصف الفضائي المنصب عليهم -مِن برامج ومسلسلات- لصرفهم عن عبادة الله في رمضان!

فتقترب هذه القلوب المحبة مِن ربها -عز وجل- في رمضان أعظم اقتراب، حتى ليكاد قلب المحب الصادق أن يتصدع حزنًا وهمًّا على رحيل رمضان وانقضائه، بعد أن ذاق فيه لذة الأنس والقرب مِن الله -تعالى-!

لولا العيد...

الذي جعله الله فرحة شرعية وفطرية؛ فقد اعتاد الناس منذ القِدَم على تخصيص أيام للعب والفرح والتسرية عن النفس، ولما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة وجد الأنصار ولهم يومان يلعبون فيهما، فَقَالَ: (مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟) قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا) (متفق عليه).

ولكن أعياد المسلمين، ليستْ لمجرد اللعب والمرح، بل إنها مِن شعائر الإسلام وشرائع الإيمان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "الأعياد هي مِن أخص ما تتميز به الشرائع، ومِن أظهر ما لها مِن الشعائر" (اقتضاء الصراط المستقيم).

فالفرح بالعيد عبودية جديدة بعد صوم رمضان وقيامه؛ عبودية بالتكبير والتعظيم لله -تعالى-، وشكره -سبحانه- على نعمة الصيام والقيام والتوفيق لما يحبه ويرضاه، قال الله -عز وجل-: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185).

قال ابن عاشور -رحمه الله-: "وَإِثْبَاتُ الْأَعْظَمِيَّةِ لِلَّهِ فِي كَلِمَةِ (اللَّهُ أَكْبَرُ) كِنَايَةٌ عَنْ وَحْدَانِيَّتِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ، لِأَنَّ التَّفْضِيلَ يَسْتَلْزِمُ نُقْصَانَ مَنْ عَدَاهُ وَالنَّاقِصُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْإِلَهِيَّةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا لَا تُلَاقِي شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، وَلِذَلِكَ شُرِعَ التَّكْبِيرُ فِي الصَّلَاة لإبطال السُّجُود لغير الله، وَشرع التَّكْبِير عِنْد نحر الْبدن فِي الْحَج لإبطال مَا كَانُوا يَتَقَرَّبُون بِهِ إِلَى أصنامهم، وَكَذَلِكَ شرع التَّكْبِيرُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الصِّيَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنْ يُكَبِّرَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَيُكَبِّرَ الْإِمَامُ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ" (التحرير والتنوير).

- وإظهار الفرح والسرور بشعائر الإسلام عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله -تعالى-، قال -سبحانه-: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ) (متفق عليه).

- وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "إِظْهَار السُّرُورِ فِي الْأَعْيَادِ مِنْ شِعَائِر الدِّينِ" (فتح الباري)

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يوم لعب الحبشة في المسجد في يوم عيد: (لَتَعْلَمُ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- فالعيد يوم فرح وسرور، ولكن ليس بمعصية الله والخروج عن شرعه.

- خَرَجَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ يَوْمَ الْعِيدِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: "كَمْ مِنَ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ قَدْ نَظَرْتَ الْيَوْمَ؟ فَلَمَّا أَكْثَرَتْ قَالَ: وَيْحَكِ! مَا نَظَرْتُ إِلا فِي إِبْهَامِي مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكِ حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْكِ!" (التبصرة لابن الجوزي).

- وقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: "خَرَجْتُ مَعَهُ يَوْمَ عِيدٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا غَضُّ الْبَصَرِ" (التبصرة لابن الجوزي).

- وقال كعب بن مالك -رضي الله عنه-: "مَن صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا خرج رمضان عصى ربه؛ فصيامه عليه مردود، وباب التوفيق في وجهه مسدود".

- وسُئِل بشر الحافي -رحمه الله- عن أناس يتعبدون في رمضان ويجتهدون، فإذا انسلخ رمضانُ تركوا ذلك، قال: "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!".

- وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "ليس العيد لمَن لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد، ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب، إنما العيد لمن غفرت له الذنوب، في ليلة العيد تفرق خلق العتق والمغفرة على العبيد؛ فمن ناله منها شيء فله عيد، وإلا فهو مطرود بعيد" (لطائف المعارف).

 - وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "كل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد، كل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد".

- فعلى المسلم أن يشكر نعمة الله عليه وتوفيقه لطاعته، وأن يثبت على العود الحميد، وأن يعلم أنه لا غنى له عن توفيق الله ومعونته له طرفة عين أبدًا، وأن قلبه ليس بيده، وإنما القلوب بيْن أصابع الرحمن يقلبها -سبحانه- كيف يشاء.

وكان مِن أكثر دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: (اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) (رواه مسلم).

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران:8).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.