كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال الله -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).
- ورد اسم الله -تعالى- (التَّوَّابُ) في إحدى عشرة آية في القرآن الكريم اقترن في تسع منها باسمه -تعالى- (الرحيم): كقوله -تعالى-: (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 37)، وقوله -تعالى-: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 160). وقوله -تعالى-: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: 104)(1).
معنى الاسم في حق الله -تعالى-:
- قال ابن جرير -رحمه الله-: "(التَّوَّابُ) على مَن تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه" (ينظر: النهج الأسمى).
- و(التَّوَّابُ) -سبحانه- هو الذي يقبل التوبة عن عباده حَالًا بعد حال، فما من عبد عصاه وبلغ عصيانه مداه ثُمَّ رغب في التوبة إليه، إلا فتح له أبواب رحمته، وفرح بعودته وتوبته، ما لم تُغَرْغِر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، فعن أبي موسى -رضي الله عنه- مرفوعًا: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) (رواه مسلم).
الوقفة الأولى: أنواع توبة (التَّوَّابُ) -سبحانه- على عبده:
- توبة العبد بين توبتين من (التَّوَّابُ) -سابقة ولاحقة-، فإنَّه تاب عليه أولًا إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبد، وتاب الله عليه ثانيًا قبولًا وإثابةً: قال الله -تعالى-: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: 118)(2).
قال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته:
وكذلك (التَّوَّابُ) من أوصافـه والتَّـوْبُ في أوصافـه نوعان
إذن بـتـوبـة عـبـده وقبـولها بـعـد الـمتـاب بمـنـة المـنـان
- ويُقَيِّض (التَّوَّابُ) لعبده من أسباب التوفيق والإقبال على التوبة ما قد يكون فيها ابتلاؤه وإيلامه: قال أبو حامد -رحمه الله-: "التَّوَّابُ هو الذي يُرْجِع إليه تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى بما يظهر لهم من آياته، ويسوق إليهم من تنبيهاته، ويُطْلِعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته، حتى إذا اطلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب استشعروا الخوف بتخويفه فرجعوا إلى التوبة فرجع إليهم" (المقصد الأسنى). قال -تعالى-: (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (الأنعام: 42).
الوقفة الثانية: الآثار الإيمانية للتعبد باسم الله (التَّوَّابُ):
أولًا: محبة الله -عز وجل- والأنس به؛ لأنَّه -سبحانه- الرحيم بعباده، ومن رحمته بهم أن وَفَّق من شاء من عباده إلى التوبة والرجوع إليه، ثُمَّ قَبِل ذلك منهم، بل إنَّه -سبحانه- يفرح بتوبة عبده إليه أشد ما يكون من الفرح، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) (رواه مسلم).
ثانيًا: المبادرة إلى التوبة النصوح عند الوقوع في المعصية مهما كان عظمها، وعدم اليأس من رحمة الله؛ لأنَّه (التَّوَّابُ) الرحيم الغفور الودود، فعن أنس -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
ثالثًا: إفراد الله -عز وجل- بالتوبة، لأنَّه لا يغفر الذنوب ولا يوفق إلى التوبة ويقبلها إلا (التَّوَّابُ) وحده، خلافًا لمن زعموا أنَّ لديهم صلاحية غفران الذنوب والتوبة على العباد (كرهبان النصارى وغلاة الصوفية)، قال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (الشورى: 25)، وقال -تعالى- لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (آل عمران: 128).
قال ابن جرير -رحمه الله-: "عن قتادة -رضي الله عنه- قال: أُصِيب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحُد، وكُسِرَت رباعيته، وفُرِق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمرَّ به سالم مولى أبي حذيفة -رضي الله عنهما-، فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول: (كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟)، فأنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) الآية" (تفسير الطبري).
خاتمة:
- النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق تعبدًا لله باسمه (التَّوَّابُ): فكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) (رواه البخاري). وكان يقول: (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) (رواه مسلم).
- كلما ازداد العبد تواضعًا وعبوديةً ازداد إلى الله قربًا ورفعةً، ومن ذلك توبته واستغفاره: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). (إشارة مجملة لقصة قاتل المائة نفس، وكيف وفقه "التَّوَّابُ" -عز وجل- ليتوب عليه).
فاللهم يا تواب، تُبْ علينا لنتوب، ووفقنا إلى التوبة إليك من جميع الذنوب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مناسبة هذا الاقتران باسمه الرحيم في أكثر مواضع وروده هي: أنَّ توبة الله -عز وجل- على مَن يشاء مِن عباده بتوفيقهم إليها ثُمَّ قبولها منهم هي من آثار رحمة الله -تعالى- وبره وإحسانه، وكذلك كونه -سبحانه- لا يعاقب من تاب إليه ولا يرد من تاب إليه بصدق، إن هو إلا برحمته -سبحانه- وفضله. ووصف الله -سبحانه- نفسه بالتواب لكثرة من يتوب عليه، ولتكريره ذلك في الشخص الواحد حتى يقضي عمره.
(2) أخبر -سبحانه- أنَّ توبته عليهم سبقت توبتهم، وأنَّها هي التي جعلتهم تائبين، فكانت سببًا ومقتضى لتوبتهم، فدلَّ على أنَّهم ما تابوا حتى تاب الله عليهم، والحكم ينتفي لانتفاء علته، فالعبد تواب، فتوبة العبد رجوعه إلى سيده بعد الإباق، وتوبة الله نوعان: إذن وتوفيق، وقبول وإمداد. (مدارج السالكين).