كتبه/ عبد الله بدران
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فليس كلُّ جهد يُرى، ولا كل عطاء يجد طريقه إلى كلمات الشكر، فهناك جهود تُبذل في صمت، وأعمال لا يعرف حجمها إلا أصحابها ومَن يعلم خفايا القلوب، وفي كل عمل يُبتغى به وجه الله تبقى قيمة ما يقدمه الإنسان مرتبطة بإخلاصه قبل أن تكون مرتبطة بمدى ظهور أثره أمام الناس.
ومن هنا تأتي أهمية تقدير كل من بَذَلَتْ وقتًا أو جهدًا أو صبرًا في خدمة أسرتها ومجتمعها؛ فالشكر لأهل الفضل من الوفاء، وما يقدمه الإنسان من خير لا يضيع عند الله حتى وإن لم يلتفت إليه الناس أو لم يجد التقدير الذي يستحقه.
وتزداد قيمة هذا العطاء حين تتحمل المرأة مسؤولياتها داخل أسرتها، وتشارك في الوقت نفسه في خدمة المجتمع والعمل العام؛ فهي تجمع بين مسؤوليات التربية ورعاية الأبناء، وبين مسؤولية أوسع تتعلق بالمشاركة والتأثير وصناعة الوعي، وهو دور يحتاج إلى صبر وإخلاص واحتساب.
فإن العمل لخدمة الدين والمجتمع ليس موسمًا ينتهي بانتهاء مناسبة، ولا مهمة مرتبطة بظرف عابر، وإنما هو طريق طويل يحتاج إلى النَّفَس الطويل والثبات والصبر؛ ولذلك فإنَّ قيمة الاستمرار لا تقل عن قيمة البداية، وقد يكون العمل الصغير المستمر أكثر أثرًا من جهد كبير ينقطع سريعًا.
فالكلمة الطيبة قد تفتح بابًا للخير، والابتسامة قد تخفف عن إنسان، والتربية الصالحة قد تصنع جيلًا كاملًا، والاهتمام بالناس قد يكون بداية لإصلاح مشكلة أو جمع قلوب متباعدة؛ ولهذا لا ينبغي أن يستصغر أحد أثر ما يفعله، فالأعمال العظيمة كثيرًا ما تبدأ بخطوات تبدو في بدايتها بسيطة، لكن التحدي الأكبر أمام أي عمل جماعي ليس دائمًا ما يأتيه من الخارج، وإنما ما يمكن أن يتسلل إليه من الداخل.
حين تضعف الثقة، ويقل التواصل، وتكثر الظنون، وينشغل كل فرد بنفسه، تبدأ حالة من التراجع لا تظهر فجأة، وإنما تتسلل تدريجيًّا حتى تؤثر في قوة الكيان وقدرته على الاستمرار والتأثير؛ ولهذا فإنَّ وحدة الصف ليست مجرد ترتيب إداري أو شعار يُرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية حقيقية وأمانة، تحتاج إلى سلوك يومي يقوم على التناصح والمحبة والتعاون وحسن الظن، فالكيان القوي ليس هو الذي يخلو من الأخطاء؛ لأنَّ الخطأ طبيعة بشرية، وإنما هو الذي يعرف كيف يتعامل مع أخطائه، فيعالجها بالحكمة والنصح، ويمنعها من التحول إلى خصومات، ويضع مصلحة العمل فوق الاعتبارات الشخصية.
إننا نحتاج إلى أن نتناصح دون أن نتخاصم، وأن نتعاون دون أن يتحول التعاون إلى منافسة على المكانة، وأن نلتمس الأعذار بدلًا من البحث عن الزلات، وأن نفرح لنجاح الآخرين كما نفرح لنجاحنا؛ لأنَّ نجاح الفرد داخل الكيان لا ينتقص من الآخرين، وإنما يضيف إلى رصيد الجميع.
وفي قلب هذه المعادلة تأتي المرأة، لا باعتبارها عنصرًا مكملاً للمشهد، وإنما باعتبارها شريكًا قادرًا على صناعة الأثر.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.